من مفهوم الوصف .
وإن كانت الغاية غاية للحكم فتدلّ على انتفاء سنخ الحكم عمّا بعد الغاية ؛ بحيث لو صرّح بثبوته لما بعدها لناقضها .
وقد ذكروا لبيان ذلك تقريبات ، أوجهها ما ذكره في « الدرر » ، وحاصله : أنّه قد ثبت في محلّه : أنّ الهيئة في الأوامر موضوعة للطلب الحقيقي وطبيعة الطلب ، والمفروض أنّه قُيِّد الطلب الحقيقي بغاية معيّنة ، مثل : « اجلس إلى الظهر » ، فحقيقة وجوب الجلوس إنّما هي إلى الظهر ، ويلزم ذلك انتفاء الوجوب بعد الظهر ، وإلّا يلزم عدم ما جعل غاية بغاية « 1 » .
لكنّه قدس سره عدل عن ذلك في أواخر عمره الشريف ، وقال ما حاصله : إنّ ما ذكرناه من البيان لإثبات مفهوم الغاية لا يفي لإثباته ؛ لأنّه لا ريب في أنّ لكلّ حكم علّةً وسبباً يمتنع الحكم بدونه ، فإنْ فُرض أنّ وجوب الجلوس إلى الظهر معلول لعلّة مُنحصرة له دلّ ذلك على المفهوم ، وأمّا إذا فُرض أنّها ليست بمنحصرة فلا تدلّ عليه ؛ وذلك لأنّ المعلول لكلّ علّة لا مطلقٌ بالنسبة إلى العلّة ، ولا مقيَّد بها ، لكن له ضيق ذاتيّ بها ، ولا يمكن أن يكون أوسع من علّته وبالعكس .
وبالجملة : لا بدّ في ثبوت المفهوم للغاية من إحراز أنّ علّة الحكم منحصرة ، وأمّا بدونه فلا مفهوم « 2 » لها ، انتهى .
أقول : لو سلّمنا : أنّ هيئة الأمر موضوعة لحقيقة الطلب وطبيعته ، فالحقّ هو ما ذكره أوّلًا من ثبوت المفهوم للغاية ؛ لأنّه لا ريب في أنّ الحكم المُغيّا بغاية ، ظاهر عرفاً في انتفائه عمّا بعدها ، وهذا الظهور العرفيّ ممّا لا ريب فيه ، وحينئذٍ فإن قلنا : إنّ الأحكام الشرعيّة مُسبَّبات عن أسباب وعلل موجبة لها ، وأنّ العرف والعقلاء
هامش
( 1 ) - درر الفوائد : 204 .
( 2 ) - الظاهر أنه مستفاد من مجلس بحثه الشريف .