ولكنّه على فرض القول بعدم تداخل الأسباب قد يقال بتداخل المسبّبات ، وقد عرفت أنّ محطّ البحث في تداخل الأسباب : هو ما إذا اتّحد الجزاء لكلٍّ من الشرطين ، والمثال ليس كذلك ؛ لأنّ الإكرام المتعلِّق بالعالم غير الإكرام المتعلِّق بالهاشميّ ، فتأمّل جيّداً .
الأمر الرابع : أنّ البحث في التداخل وعدمه إنّما هو في اقتضاء القواعد اللفظيّة اللُّغويّة ذلك ، فلا بدّ أن يُفرض بعد الفراغ عن إمكانه عقلًا ، وإلّا فلو امتنع التداخل أو عدمه عقلًا ، لا تصل النوبة إلى البحث في مقتضى القواعد اللُّغويّة وانّه ما ذا ؟
فذهب بعضهم إلى امتناع عدم التداخل عقلًا ؛ لأنّه لا ريب في أنّه يمكن أن يقال : « إذا جاءك زيد فأكرمه ، وإذا أكرمك زيد يجب عليك إكرامه مرّتين » ، وكذا لو قال : « إذا نمت وبلت يجب عليك وضوءان » ، ولكن لو قال : « إذا نمت يجب عليك الوضوء ، وإذا بلت يجب عليك الوضوء » ، فعلى فرض عدم تداخلهما ، ووجوب الإتيان بالوضوء مرّتين ، لا بدّ أن يُقيِّده بقيدٍ ، ولا يصحّ ذلك إلّا أن يقول : « إذا بلت فتوضّأ ، وإذا نمت توضّأ وضوءاً آخر » وهذا القيد - أيضاً - إنّما يصحّ فيما لو تقدّم أحد الشرطين في الوجود والصدور من المكلّف دائماً ، وتأخّر الآخر كذلك ، وفيما نحن فيه ليس كذلك ؛ فإنّه قد يوجد المتأخّر متقدِّماً والمتقدّم متأخّراً ، فلا يصحّ التقييد بالآخر - أي بهذا اللفظ - أيضاً ، ومع عدم تقييد أحد الجزاءين بقيد ، فلا يتعدّد الجزاء ، فيتداخلان ، فلا يمكن عدم التداخل ، فلا تصل النوبة إلى الاستظهار من الأدلّة « 1 » .
وفيه : أنّه يمكن التقييد بقيدٍ آخر غير ما ذكره - أي قيد « آخر » - لأنّه يمكن أن يقال : « إذا بلت فتوضّأ وضوءاً من قِبَل البول ، وإذا نمت فتوضّأ وضوءاً من قِبَل النوم » .
لا يقال : لا يجوز أن يُقيَّد المعلول بعلّته ؛ لأنّه يلزم وقوعهما في رتبة واحدة ، وأن يكون المعلول في رتبة العلّة .
هامش
( 1 ) - نهاية الأصول 1 : 278 - 279 .