ونظير ذلك دوران الأمر بين تقييد الإطلاق وتخصيص العامّ لو اجتمعا وتعارضا ، كما لو قال : « أكرم العلماء » ، فإنّ « العلماء » عامّ في أفراده ، والأفراد - أيضاً - كلّ واحد منها مطلق بالنسبة إلى حالاته ، وعُلم من الخارج إجمالًا : إمّا بتقييد الإطلاق ؛ بخروج زيد عن هذا الحكم يوم الجمعة ، وإمّا بتخصيص العامّ ؛ بخروجه عن حكم العامّ رأساً ، فيقال : إنّ هذا العلم الإجمالي ينحلّ : إلى العلم التفصيلي بتقييد الإطلاق المذكور ، وعدم وجوب إكرام زيد يوم الجمعة فقط ، والشكّ البدوي في تخصيص العامّ بإخراج زيدٍ عنه رأساً ، فيُتمسّك فيه بالعموم .
وكذلك في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر ، فإنّه - بوجه بعيد - نظيرُ ما نحن فيه ، فإنّ العلم الإجمالي إمّا بوجوب الأقل أو الأكثر ينحلّ : إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقل ، والشكّ البدوي في وجوب الأكثر ، فيُتمسّك في نفي وجوب الأكثر بأصالة البراءة ، ويُؤخذ بالأقلّ ؛ لأنّه الواجب على كلّ تقدير .
واستشكل عليه في « الكفاية » : بأنّ الانحلال المذكور مستلزم للدور ؛ وذلك لأنّ انحلاله موقوف على وجوب الأقلّ على كلّ تقدير ، ومن التقادير هو تقدير وجوب الأكثر ، ووجوبه موقوف على بقاء العلم الإجمالي وعدم انحلاله ، فانحلاله موقوف على عدم انحلاله « 1 » .
لكن على فرض صحّة ما ذكره من لزوم الدور في الأقلّ والأكثر ، ليس ما نحن فيه من هذا القبيل ؛ لأنّه ليس المدّعى فيه انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي والشكّ البدويّ ، فإنّ مورد انحلاله هو ما إذا عُلم تفصيلًا ابتداءً ومن الأوّل ، وكان الإجمال بدْويّاً وفي بادي النظر ، وأمّا فيما نحن فيه فالعلم الإجمالي باقٍ بحاله مع العلم التفصيلي أيضاً .
هامش
( 1 ) - انظر كفاية الأصول : 413 .