وحينئذٍ فمقتضى القول بأنّ الهيئة موضوعة لكلّيّ الوجوب ، هو حمل المطلق على أصل الطبيعة ؛ لأنّها أخفّ مئونةً من أفرادها وأقسامها من الوجوب النفسي والغيري ونحوهما .
وأمّا تقبيح العقلاء عبداً ترك المأمور به ؛ لاحتمال أنّه غيريّ ، واحتمالِ عدم وجوب ذلك الغير ؛ حتّى يجب الإتيان به ، أو لإتيانه شيئاً آخر يُحتمل أنّه عِدْل له ، فهو ليس لأجل اقتضاء الإطلاق الوجوب النفسي التعييني ، بل لأنّه لا عذر مقبول للعبد في تركه المأمور به في مقام المحاجّة والمخاصمة ، ولا ربط لذلك بما نحن فيه .
وأمّا ثانياً : سلّمنا أنّ مُقتضى الإطلاق هو الحمل على النفسي والتعييني ، لكنّه ممنوع فيما نحن فيه ؛ لأنّ الترتُّب بنحو العلّيّة المنحصرة والربط بينهما ليس نحواً مغايراً لغيرها ، وأنّ العلّيّة المنحصرة ليست أخفّ مئونةً من غيرها ؛ لاحتياج إرادة غيرها إلى بيان زائد بخلافها ؛ حتّى تحمل الشرطيّة عند إطلاقها على العلّيّة المنحصرة ، بل هما سنخ واحد .
الوجه الخامس : التمسُّك لإثبات العلّيّة المنحصرة بإطلاق الشرط ؛ بأن يقال : لو كانَ لشيء آخر دَخْلٌ في العِلّيّة ، وأنّ الشرط للجزاء في المثال هو مجيء زيد مع قيد آخر ، لَبيَّنه في مقام البيان ، وحيث إنّه لم يُبيِّن ذلك يُحمل على أنّه علّة تامّة للجزاء ، كما لو شُكّ في الواجب أنّه نفسيّ أو غيريّ ، وكذلك يُتمسّك بإطلاق الشرط لنفي علّيّة شيء آخر للجزاء يقوم مقام الشرط ، فحيث إنّه لم يُبيِّن ذلك يُحكم بأنّ الشرط علّة منحصرة ، وأنّ العلّة في المثال منحصرة بمجيء زيد ، كما في الشكّ في التعييني والتخييري « 1 » .
وفيه : أنّ التمسُّك بالإطلاق لنفي علّيّة شيء آخر للجزاء ، وأنّ العلّيّة مُنحصرة في الشرط ، قد عرفت مفصّلًا أنّه غير صحيح .
نعم ؛ صحّ التمسُّك به لنفي دَخْل شيء في العلّيّة ، وأنّ الشرط هو مجيء زيد في
هامش
( 1 ) - انظر نهاية الأفكار 1 : 482 .