وفيه : أنّ المناط في مسألة التعارض هو تنافي الدليلين عرفاً ؛ بأن يكون الدليل متعرِّضاً للأفراد ، مثل : « أكرم كلّ عالم » و « لا تكرم كلّ فاسق » ، فإن لم يتنافيا عرفاً كما في الأعمّ والأخصّ المطلقين ؛ حيث إنّ بينهما الجمع العرفيّ ، فلا يعامل معهما مُعاملة المتعارضين ، بخلاف ما نحن فيه ، مثل « صلّ » و « لا تغصب » ، فإنّ الأمر فيهما متعلّق بعنوان « الصلاة » بدون أن يتعرّض للأفراد ، والنهي متعلّق بعنوان « الغصب » ، كذلك ، فلا تعارض بينهما عرفاً ، فهو من مسألة الاجتماع ، فلا مساس لإحدى المسألتين بالأُخرى ؛ ليحتاج إلى بيان الفرق بينهما .
وبالجملة : البحث في مسألة التعارض عرفيّ ، ومنشؤه ورود الأخبار العلاجيّة ، وهي منزّلة على العرف ، فإن كان بينهما تعارض عرفاً يعامل معهما مُعاملة المتعارضين ، وإلّا فيجمع بينهما ، فالموضوع في باب التعارض عرفيّ ، بخلاف مسألة الاجتماع ، فإنّ البحث فيها عقليّ .
ثمّ إنّ ما ذكره في « الكفاية » من أنّه لو دلّ دليل على ثبوت المناطين من إجماع وغيره فهو ، وإلّا فلو لم يكن إلّا إطلاق دليلي الحكمين ، ففيه تفصيل ، وهو :
أنّ الإطلاق لو كان في مقام بيان الحكم الاقتضائيّ ، فهو دليل على ثبوت المقتضى والمناط في مورد الاجتماع ، فيكون من هذا الباب « 1 » .
ففيه : أنّه إن أراد أنّ البحث في مسألة الاجتماع يعمّ ما إذا كان الحكمان اقتضائيّين - أيضاً - يرد عليه - مع الإغماض عن الإشكال في ثبوت مرتبة الاقتضاء للأحكام وتسليم ذلك - : أنّه لا وجه لتوهّم جريان النزاع فيه ؛ لعدم الإشكال في جواز اجتماع الحكمين الاقتضائيّين ، بل البحث انّما هو فيما لو تعرّض الدليلان لبيان الحكم الفعليّ ، ولذا قيّدنا الحكمين في عنوان البحث بالفعليّين .
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 190 .