لا يقال : قد يُؤمر جماعة برفع صخرة عظيمة - مثلًا - لا يقدر كلّ واحد منهم على رفعها وحده ، ولكن يقدر جميعهم على ذلك ، فإنّ الأمر - حينئذٍ - ليس متوجِّهاً إلى كلّ واحد ، فلا بدّ أن يتوجّه إلى جميعهم بما هو كذلك .
لأنّا نقول : ليس الأمر كذلك ، فإنّ للصخرة مقداراً من القوى الطبيعية التي تشدّها إلى المركز - أي الأرض - أو أنّ للأرض قوّة جاذبة لها إليها ، فإذا صارت في الأرض بمقتضى إحدى القوّتين ، فلا ترتفع من مركزها إلّا بقوّة تخالفها مع زيادتها على الأولى ، وفي الفرض ليس لكلٍّ واحدٍ من الجماعة القوّة المخالفة زيادة عن مقدار ما في الصخرة من القوّة ، أو ما في الأرض من الجاذبة ، لكن قوى جميعهم زائدة على ما فيها أو على ما في الأرض من القوّة ، والمؤثّر في رفع الصخرة - حينئذٍ - ليس مجموع قواهم من حيث المجموع ، بل يستعمل كلّ واحد منهم قوّته ، ويرفع كلّ واحد من الصخرة بمقدار ما له من القوّة ، لا أنّ المؤثّر هو المجموع من حيث المجموع الذي لا تحقّق له في الخارج .
فعلم ممّا ذكرنا : أنّ القول الثالث غير متصوّر .
وأمّا القول الثاني - وهو توجُّه التكليف فيه إلى واحد غير معيّن - فإن أريد به مفهوم الواحد الغير المعيَّن فالتكاليف متوجّهة إلى الموجودين ، والمفهوم لا وجود له في الخارج .
وإن أريد أنّه متوجِّه إلى واحدٍ خارجيّ مقيّداً بأنّه غير معيّن ، فلا معنى له ؛ لأنّ كلّ واحدٍ من المُكلّفين معيّن .
ومن ذلك يظهر : أنّ قولَ بعض الفقهاء : - إنّ صاعاً من صُبْرة مُعيَّنة « 1 » كليٌّ - فاسدٌ ؛ لأنّ كلّ صاع من الصُّبرة معيَّن ، لا كلي .
وإن أريد أنّ التكليف فيه متوجِّه إلى عنوان الواحد الغير المعيّن ، الذي يصدق
هامش
( 1 ) - منية الطالب 1 : 294 - 295 .