أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه ؛ لعدم ما هو منشأ ومبدأ له في النفس ، فإنّ البعث الحقيقي إنّما هو للانبعاث ، فمع العلم بعدم انبعاث المكلّف لعدم شرطه يقبح البعث ، فلا يمكن صدوره من المولى الحكيم « 1 » .
ولكنّه مبنيّ على القول بانحلال التكاليف الكلّية والعامّة المتوجّهة إلى العموم إلى تكاليف جزئيّة متوجّهة إلى آحاد المكلّفين ، لكن قد عرفت ما فيه .
توضيح ذلك : أنّك قد عرفت أنّ البعث الحقيقيّ لا يمكن بالنسبة إلى الشخص العاجز الغير القادر ، ولا يصحّ للشارع بعثه إلى الغير المقدور له ، وكذا بالنسبة إلى من يعلم أنّه لا ينبعث ، وكذلك بالنسبة إلى من يعلم الآمر بأنّه يأتي بالمأمور به وإن لم يأمره به في التوصُّليّات ، وكذلك بالنسبة إلى خصوص المكلّف الذي يكون المأمور به خارجاً عن مورد ابتلائه ؛ كلّ ذلك لأجل أنّ غاية البعث والزجر الحقيقيّين هو انبعاث المكلّف إلى المأمور به وانزجاره عن المنهي عنه ، اللذان هما غايتان للبعث والزجر ومبدءان لهما ، المنتفيان في هذه الموارد ، فيمتنع البعث والزجر إلى أشخاص هؤلاء المكلّفين ؛ لعدم المبدأ والمنشإ لهما ، فلو انحلت الأوامر والنواهي الكلّيّة القانونيّة المتوجّهة إلى عموم المكلّفين إلى أوامر ونواهٍ جزئيّة متوجّهة إلى آحاد المكلّفين وأشخاصهم ، لزم الالتزام بعدم ثبوت الأحكام للعاجزين والجاهلين القاصرين ، وكذلك العاصين والآتين بالمأمور به من دون بعث ، وهو كما ترى لا يلتزم به أحد ، فيكشف ذلك عن فساد دعوى الانحلال . مضافاً إلى أنّه يؤدّي إلى الاختلال في الفقه ، ويلزم الحكم بعدم نجاسة الخمر الخارج عن مورد الابتلاء ، وأن لا تحرم الامّ والأخت الخارجتان عن محلّ ابتلائه ، وغير ذلك من الأحكام التكليفيّة والوضعيّة ، خصوصاً على مذهب الشيخ قدس سره من أنّ الأحكام الوضعيّة منتزعة عن الأحكام التكليفيّة « 2 » ،
هامش
( 1 ) - انظر معالم الدين : 85 ، والفصول الغرويّة : 109 ، وكفاية الأصول : 169 - 170 .
( 2 ) - الرسائل : 351 سطر 2 .