مجاز ، فيتميَّز بالتبادر وتبادر الغير اغتراراً بأنّ المتبادر من لفظ التبادر هو ذلك المعنى ؛ بمعنى السبق إلى الذهن ، فلا بد أن يكون هناك عدّة معانٍ يسبق بعضها إلى الذهن من اللّفظ على الآخر « 1 » .
ففيه : أنّ محلّ النزاع أعمّ ممّا ذكره ، كما عرفت .
وبالجملة : لا فرق - في أنّ التبادر علامة للحقيقة وتبادر الغير علامة للمجاز - بين ما لو اطلق لفظ في كتاب أو حديث أو غيرهما وعُلم المراد منه - أيضاً - لكن لم يُعلم أنّه حقيقة فيه أو مجاز ، وبين ما إذا لم يُستعمل أصلًا في معنىً من المعاني ، لكن يُراد استعلام معناه الحقيقي الذي وضع له وتميّزه عن المجازي .
ثمّ إنّ التعبير بأنّ التبادر علامة للوضع « 2 » ليس بجيّد ؛ لأنّ الوضع - كما عرفت - عبارة عن جعل اللّفظ للمعنى ، الذي يعبَّر عنه في الاصطلاح بالوضع التعييني لا غير ، وأمّا كثرة استعمال اللّفظ في معنىً مجازي حتّى غلب فيه وأفاده بغير قرينة ، فقد عرفت أنّه ليس قسماً آخر للوضع .
بل التبادر كاشف عن وجود خصوصيّة وعلاقة بين اللّفظ والمعنى ، ناشئة إمّا عن الوضع ، أو عن كثرة الاستعمال حتّى غلب فيه وأفاده بغير قرينة ، لا عن الوضع فقط .
إذا تحرّر ذلك فنقول : قد أورد على علاميّة التبادر باستلزامه الدور المحال ؛ لتوقّف التبادر على العلم بأنّ المتبادر من معانيه الحقيقيّة ، والمفروض أنّ العلم بذلك متوقّف على التبادر « 3 » .
وأجيب عنه : بأنّ العلم الذي يتوقّف على التبادر غير العلم الذي يتوقّف التبادر
هامش
( 1 ) - انظر نهاية الأصول 1 : 32 - 33 .
( 2 ) - انظر نهاية الأفكار 1 : 66 ، وكفاية الأصول : 33 .
( 3 ) - هداية المسترشدين : 44 - 45 ، الفصول الغرويّة : 33 ، بدائع الأفكار ( تقريرات العراقي ) 1 : 97 ، كفاية الأصول : 33 .