ثمّ إنّه يُشترط في علاميّة التبادر نشوّه من حاقّ اللّفظ ومن دون قرينة ولو شهرةً ، وحينئذٍ فإنْ تبادرَ المعنى عند المستعلم فالأمر سهل ؛ لأنّه يعلم أنّه من حاقّ اللّفظ أو بمعونة القرائن .
وإن كان عند أهل المحاورة والاصطلاح : فإن عُلم استناده إلى حاقّ اللّفظ فهو ، وإلّا فمع الشكّ في ذلك واحتمل استناده إلى قرينة حاليّة أو مقاليّة .
فذهب المحقّق العراقي قدس سره : إلى أنّه بالاطّراد يكشف أنّ ذلك التبادر من حاقّ اللّفظ ، فالاطّراد في صورة الشّكّ سبب لإحراز شرط تأثير التبادر وعلاميّته للحقيقة ، وحينئذٍ فالاطّراد ليس علامةً مُستقلّة للحقيقة « 1 » .
وفيه : إن أفاد الاطّراد العلم بذلك ، فالمعتمد هو العلم الحاصل من الاطّراد لا التبادر ، وإلّا فلا دليل على حجيّة الاطّراد ، لا من العقل ولا من النقل ، ولم يثبت بناء العقلاء عليه أيضاً .
وذهب بعض آخر : إلى أنّه يمكن إحراز أنّ التبادر من حاقّ اللّفظ بأصالة عدم القرينة « 2 » .
وفيه أيضاً : أنّه لا دليل على حجّيتها في المقام ؛ إذ ليس المراد منها الاستصحاب الشرعي المعروف بين المتأخّرين .
وأمّا أصالة العدم المعروفة بين القدماء : فالدليل عليها هو بناء العقلاء عليها ، وهو إنّما يُسلّم فيما إذا اطلق اللّفظ ، ولم يُعلم أنّ المتكلّم أراد معناه الحقيقي ، أو معناه المجازي بمعونة القرينة .
وبعبارة أخرى : المسلّم من بناء العقلاء على أصالة عدم القرينة ، إنّما هو في تشخيص مراد المتكلّم ، وأنّه أراد المعنى الحقيقي المعلوم للّفظ أو لا .
هامش
( 1 ) - بدائع الأفكار ( تقريرات العراقي ) 1 : 97 .
( 2 ) - قوانين الأصول 1 : 14 ، الفصول الغرويّة : 33 .