الثالث : ما ذهب إليه بعض الأجلّة - الشيخ محمد رضا الاصفهاني قدس سره - وهو أنّ اللّفظ في المجازات يرادُ به المعنى الموضوع له بالإرادة الاستعماليّة ، ويراد بحسب الجدّ المعنى المناسب للموضوع له ، فالأسد في قولنا : « زيدٌ أسد » مُستعمل في معناه الحقيقي - أي الحيوان المفترس الذي يسكنُ البادية - بالإرادة الاستعمالية ، ولكنّ المراد الجدّي المستكشف بالقرينة هو الرجل الشجاع ؛ بدعوى أنّه هو المعنى الحقيقي للأسد .
والفرق بينه وبين قول السكّاكي : هو أنّ اللّفظ - بناءً على هذا القول - مُستعمل في الحيوان المفترس ؛ أي الأسد الحقيقي ، وعلى قول السكّاكي مُستعمل في الفرد الادّعائي ، فالادّعاء المذكور - بناءً على هذا القول - إنّما هو بعد الاستعمال في المعنى الحقيقي ، وعلى قول السكّاكي قبله ، وهذا القول الثالث أدقّ وألطف من قول السكّاكي « 1 » .
فنقول : أمّا القول الأوّل المشهور فهو بمكان من السخافة ، وذلك فإنّه لو قُدِّر المضاف في قوله تعالى :
« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ »
« 2 » - أي كلمة « أهل » ، كما هو المشهور - خرج الكلام عن اللّطف والبلاغة والظرافة ، وكذلك لو استعمل « الشمس » في قول الشاعر : « شمس تُظلِّلني من الشمس » « 3 » في شخص بالإرادة الاستعماليّة ، خرج الكلام عن اللطافة ، ولا عجب فيه فكأنّه قال : « إنسان يُظللني من الشمسِ » فإنّ الموجب للتعجّب هو تظليل الشمس من الشمس ، وكذلك قولُ الفرزدق في وصف الإمام :
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وَطْأتَهُ * والبيتُ يعرفُهُ والحِلُّ والحَرمُ « 4 »
فإنّه لو قُدِّر فيه الأهل - أي أهل البطحاء ، وأهل الحرم والحلّ ، وأهل البيت - خرج الكلام عن اللطافة والحسن والظرافة ، بل المراد - بالإرادة الاستعماليّة - هو نفس
هامش
( 1 ) - وقاية الأذهان : 103 - 108 .
( 2 ) - يوسف ( 12 ) : 82 .
( 3 ) - مفتاح العلوم : 157 .
( 4 ) - ديوان الفرزدق 2 : 178 .