لكن التحقيق في المقام : هو أنّ صاحب الفصول صرّح بأنّ بحث تعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد بحث لفظي « 1 » ، وحينئذٍ فإن قلنا : إنّ الهيئة موضوعة لطلب وجود الماهيّة وإيجادها ، أمكن نزاع المرّة والتكرار ؛ بأن يقال : إنّ المادّة موضوعة لأيّهما ، سواء قلنا بأنّ المراد هو الدفعة والدفعات أو الفرد والأفراد .
وإن قلنا : إنّ هيئة الأمر موضوعة لطلب الماهية ، فهي متعلّقة بنفس الماهية ، وحينئذٍ فلا وجه للنزاع في المرّة والتكرار مطلقاً ؛ لانحصار النزاع - حينئذٍ - في الهيئة ، وقد عرفت أنّه - على أي تقدير - غير معقول .
ثمّ إنّه لو فرض أنّ الأوامر متعلّقة بالأفراد ، وأوجد العبد فردين من الطبيعة دفعة واحدة ، فهل هو امتثال واحد أو امتثالان ؟
لا إشكال في أنّه طاعتان وامتثالان ، فيترتّب عليه مثوبتان .
وإن قلنا : إنّها متعلّقة بالطبائع ، وأوجد فردين منها دفعةً واحدة ، فهل هو امتثال واحد وطاعة واحدة ، أو امتثالان وطاعتان ؟ وجهان :
وجه الأوّل : أنّه لم يوجِد إلّا الطبيعة المأمور بها وإن كان في ضمن فردين ، فهو إطاعة واحدة .
ووجه الثاني : أنّ الطبيعة توجد بوجود كلّ واحد من الأفراد ، فقد أوجد الطبيعة مرّتين في كلّ واحد منهما تمام الطبيعة .
وقاسه بعض الأعاظم بالوجوب الكفائي ؛ حيث إنّ الأمر فيه متعلّق بالطبيعة ، والمسلمون كافّة مأمورون بإيجادها ، لكن لو أتى بها واحد منهم كفى في الامتثال وسقط عن الآخرين ، ولو تركها كلّهم فجميعهم يستحقّون العقاب ، ولو أتى بها كلّ واحد منهم استحقّوا الثواب كذلك ، مع أنّ الأمر واحد « 2 » .
هامش
( 1 ) - انظر الفصول الغرويّة : 71 - 72 .
( 2 ) - نهاية الأصول 1 : 212 .