ومع ذلك كلّه لا يُنافي ذلك صحّة العقوبة والمثوبة على الأفعال الصادرة من المكلّفين اختياراً ، مع وجود أركان موضوعهما وشرائطه المتقدّمة ؛ لأنّ الأمور المذكورة ليست علّة تامّة لصدور الفعل عنهم لا بالاختيار ، فإنّ الشقي إنّما يفعل القبيح مع العلم والشعور والإرادة والاختيار ، وهو قادر على تركه ، وكذلك المطيع إنّما يطيع مع العلم والشعور والإرادة والاختيار ، فيصحّ عقوبة الأوّل ومثوبة الثاني ، كما هو كذلك في الموالي العرفيّة بالنسبة إلى عبيدهم ، فالمناط لصحّة العقاب والثواب هو صدور الفعل عن علم وشعور واختيار ، لا سوء السريرة أو حسنها ، ولعلّ قوله عليه السلام :
( الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة )
« 1 » إشارة إلى ما فصّلناه من اختلاف أفراد الناس بحسب السعادة والشقاوة والملكات الحميدة وغيرها والأخلاق الفاضلة وغيرها ، التي لا تُنافي الاختيار ، وكذلك قوله عليه السلام :
( الشقي من شَقِيَ في بطن امّه والسعيد من سَعِدَ في بطن امّه )
« 2 » ، ولا إشكال فيه .
خاتمة
هي إنّ الإنسان بجميع أفراده يُحبّ الكمال ، ويبغض النقص
« فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها »
« 3 » ، لكن هذه الفطرة مستورة بالحجُب الظلمانيّة والآمال الدنيويّة ، ولذلك بعث اللَّه تعالى الأنبياء لتذكيرهم وتنبيههم عن غفلتهم وهدايتهم وإرشادهم إلى صراط اللَّه وإلى ما هو كمال لهم .
والسرّ في وجوب الصلوات الخمس وغيرها من العبادات : هو أنّها أسباب
هامش
( 1 ) - تقدّم تخريجه .
( 2 ) - تقدّم تخريجه .
( 3 ) - الروم ( 30 ) : 30 .