والحاصل : أنّه إن أريد من استعمال صيغة الأمر في المعاني المذكورة هو ما ذكرناه ، فنعم الوفاق .
وإن أريد أنّها كما تُستعمل في إيجاد البعث حقيقة ، كذلك تستعمل في التمنّي والترجّي ونحو ذلك ، فهو خلاف الوجدان والذوق السليم .
فالحقّ : أنّ هيئة صيغة الأمر في جميع الموارد موضوعة لإيجاد البعث ، ومستعملة فيها بالإرادة الاستعمالية ، ويراد منها بالإرادة الجدّيّة أحد المعاني المذكورة ، كما في سائر المجازات .
وهكذا الكلام في الأوامر المستعملة الواردة في كلام اللَّه المجيد ، نحو :
« كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً »
« 1 » و
« كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ » *
« 2 » ونحوها إذا لم نقل بأنها أوامر تكوينيّة ، فإنّها مستعملة في البعث بداعي التعجيز والترجّي والتسخير ؛ بنحو يمكن أن ينسب إليه تعالى وفي حقّه تعالى ، لا بمعانيها التي تنسب إلى غيره تعالى ، المستلزمة لتأثّر النفس لاستحالته بالنسبة إليه تعالى ، وهكذا الكلام في الأوامر الامتحانيّة والاستفهامات الواردة في القرآن المجيد ونحوها مثل ألفاظ الترجّي ، كقوله تعالى :
« لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى »
« 3 » ، فإنّها ليست للاستعلام والاستفهام الحقيقي ، بل استعملت في الاستفهام ، لكن المراد الجدّي غيره ، وكذلك التمنّي والترجّي ، ولعلّ قوله تعالى :
« لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى »
إشارة إلى آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ من رعاية الملاءمة ، والقول الليِّن ، وعدم التغليظ بالقول ، وإعمال الخشونة حتّى في مثل فرعون ، الذي بلغ في الطغيان والعصيان غايتهما حتّى استعلى عليه تعالى .
هامش
( 1 ) - الاسراء ( 17 ) : 50 .
( 2 ) - البقرة ( 2 ) : 65 والأعراف ( 7 ) : 166 .
( 3 ) - طه ( 20 ) : 44 .