والأولياء وغرضَهم وغايةَ بعثهم ، هو هداية الناس إلى السعادة الأبديّة ، والوصول إلى رضوان اللَّه ونيل نعم الجنّة وزجرهم عمّا يوجب الشقاوة الأبديّة ودخول النيران .
وأمّا المطالب الفلسفيّة - من أصالة الوجود واعتباريّة الماهيّة ونحو ذلك - فليس بيانها وهداية الناس إلى معرفتها من شؤون الأنبياء والأولياء ووظائفهم عليهم السلام .
ثمّ إنّه لا بدّ من بيان أنّه لِمَ اختار بعض أفراد الإنسان السعادة وبعضهم الآخر الشقاوة وبيان معنى حديث أنّ
( الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة )
« 1 »
و ( السعيد سعيد في بطن امّه ، والشقي شقي في بطن امّه )
« 2 » ، وأنّ الثواب والعقاب علامَ يترتّبان ؟
فنقول : للإنسان جهة اشتراك مع سائر الموجودات في عالم الطبيعة - كالجمادات والنباتات والحيوانات - في الجسميّة والنموّ وغيرها ، وجهة افتراق عنها ، وهي أنّ له - مضافاً إلى أنّه مدرك للجزئيّات - قوّةً بها يُدرك الكلّيّات ،
ولذا ورد في بعض الأخبار : ( أنّه لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ، وقال له : أقبِلْ فأقْبَلَ ، ثمّ قال له : أدْبِر فأدبَرَ ، ثمّ قال تعالى : وعزّتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً هو أحبّ إلي منك ، ولا أكملتك إلّا فيما احبّ . أما إنّي إيّاك آمُر ، وإيّاك أنهى ، وإيّاك أعاقب ، وإيّاكَ أثيب )
« 3 » ، وبالعقل يتمكّن الإنسان أن يطّلع إلى عالم الغيب وما وراء الطبيعة ، والتصديق بأنّ لهذه المصنوعات والمخلوقات والموجودات صانعاً وخالقاً وموجداً ، وبه يدرك التكاليف الشرعيّة الإلهيّة ، وتسمّى هذه القوّة بالعاقلة .
وله قوّة أخرى تسمّى بالعاملة ، بها يستعدّ الإنسان للتدرّج في مدارج السعادة ونيل مرتبة هي فوق مرتبة الملائكة المقرّبين ، فالموضوع للعقاب والثواب هو الإتيان
هامش
( 1 ) - الكافي 8 : 155 / 197 .
( 2 ) - تقدّم تخريج نظيره مع تقديم وتأخير في الخبر .
( 3 ) - الكافي 1 : 8 / 1 .