إلى ما يناله من نعم الجنّة - والحور والقصور وجنّات تجري فيها الأنهار خالدين فيها ما دامت السماواتُ والأرض - كالعدم ، حتّى أنّه روي أنّ في الشرب من مياه الجنّة جميع أقسام اللذّات الدنيوية ، فإنّ قياس اللّذّات الدنيويّة إلى اللّذّات الاخرويّة قياس المتناهى إلى غير المتناهي ،
وروي أنّه يُعطى العبد المؤمن السعيد في الجنّة كتاباً بهذا المضمون : ( من الحي القيّوم الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت )
، قال تعالى :
« وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
« 1 » ، ومنه يعلم معنى الشقي عندهم .
وأمّا السعادة والشقاوة في اصطلاح الفلاسفة :
فالأوّل : عبارة عن الخير والوجود ، فمن وجوده خير محض ، فهو سعيد مطلق كاللَّه تعالى ، وإن لم يطلق ذلك عليه تعالى ، لكن وجوده تعالى خير محض ، بخلاف سائر الموجودات ، فكلّ ما هو أكمل فهو إلى السعادة أقرب .
والشقي عندهم : عبارة عن الماهيّة الممكنة التي هي في الحقيقة عدمٌ صِرف وليسٌ محض « 2 » .
والسعادة والشقاوة في الاصطلاح الأوّل والثاني ليستا من الذاتيّات للإنسان وأجزائه ، ولا عين ذاته ولا لازم ماهيّته ، وإلّا يلزم أن يكون أفراد الإنسان : إمّا سعيداً محضاً ، أو شقيّاً محضاً ، لا البعض سعيداً وبعضهم شقيّاً ، وقد عرفت أنّ الذي لا يُعلّل هو الذاتي في باب الإيساغوجي ، وهما ليسا ذاتيّين - لا في باب البرهان ولا في باب الإيساغوجي - بل من العوارض التي يمكن انفكاكها عن الإنسان ، بل هما كسبيّان يكتسبهما الإنسان بإرادته واختياره ، نعم هما في اصطلاح الفلاسفة ذاتيان فلا يعلّلان ، لكن المراد منهما في الأخبار والآيات هو أحد الاصطلاحين الأوّلين ؛ لأنّ همَّ الأنبياء
هامش
( 1 ) - العصر ( 103 ) : 1 - 3 .
( 2 ) - انظر الحكمة المتعالية 9 : 121 .