نحو استنادها إلينا بلا واسطة أسباب وعلل ، فقد عرفت استحالته ؛ لأنّ الأفعال المتدرّجة الوجود محتاجة إلى إرادة متدرّجة ، وهي تستلزم فاعلًا متدرِّجاً ، وهو محال بالنسبة إليه تعالى ؛ لاستلزامه الحدوث والإمكان ، وإن أريد أنّه يصحّ استنادها إليه ولو بواسطة الأسباب والمسبَّبات ، كما يصحّ إسنادها إلى غيره تعالى أيضاً من الإنسان وغيره ، فهو صحيح ؛ لما عرفت من أنّ جميع الموجودات الممكنة محض ربطٍ وفقر إليه تعالى ، وفي الواقع ونفس الأمر ليست في الحقيقة شيئاً والوجود الصِّرف المطلق منحصر فيه تعالى ، ومرجع جميع العلائق الموجودة في الموجودات بعضها مع بعض إلى العلاقة بالكمال المطلق ، فجميع الموجودات فانية محضاً في ذاته المقدّسة ، ومع ذلك فهم مختارون في الأفعال الصادرة منهم مريدون لها فصحّة إسنادها إليه تعالى لا ينافي صحّة إسنادها إليهم واختيارهم في أفعالهم .
الجهة الثالثة : - وهو المقام الثاني من المقامين اللَّذينِ أشرنا إليهما سابقاً - في بيان موضوع استحقاق الثواب والعقاب والملاك فيهما ، وتوضيح ما أفاده في « الكفاية » :
من أنّ الذاتي لا يعلّل « 1 » ، وبيان صحّته وسقمه ، وتوضيح ما ورد في بعض الأخبار : من
( أنّ الشقي شقي في بطن امّه ، والسعيد سعيد في بطن امّه )
« 2 » ، ونظائره .
وتوضيح الكلام في ذلك يحتاج إلى تقديم أمور :
الأوّل : أنّ للذاتي والعرضي اصطلاحين :
أحدهما : في باب « الإيساغوجي » المعبّر عنه ب « الكلّيات الخمس » ، وهو أنّ الذاتي : عبارة عمّا ليس بخارج عن الذات ، وهو منحصر في الجنس والفصل ، والعرضي : عبارة عمّا هو خارج عن الذات ، سواء كان لازماً للماهيّة كالزوجيّة
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 89 - 90 .
( 2 ) - التوحيد : 356 / 3 ، باب السعادة والشقاوة ، مع تفاوت يسير في اللّفظ .