الواحد « 1 » ، وهو أيضاً ممّا قامت عليه البراهين العقليّة القطعيّة ، والمقام هو القدر المتيقَّن من موردها ، والقولُ بالجبر واستناد جميع الأفعال إليه تعالى بلا واسطة الأسباب يوجب انخرام تلك القاعدة المبرهن عليها .
فتلخّص : أنّ القول بالجبر واستناد الموجودات والأفعال إليه تعالى بلا واسطة العلل والمعلولات والأسباب ، مخالفٌ للبراهين العقليّة ، وينجرّ إلى الكفر باللَّه تعالى ، كما أنّ القول بالتفويض واستقلال الموجودات الممكنة في التأثير والإيجاد ممتنع عقلًا ، ومخالف للبراهين العقليّة القطعيّة ، وموجب للشرك باللَّه .
إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ هنا قولًا ثالثاً خارج عن طرفي الإفراط والتفريط ، وهو القول بالأمر بين الأمرين « 2 » ، يصدق عليه البين حقيقة ، وهو القول باستناد كلّ أثر إلى مؤثّره في الممكنات ، كالإحراق إلى النار ، والإشراق إلى الشمس ، وهكذا ، لكن لا مستقلًا ، فكما أنّ جميع الموجودات الممكنة موجودة ، لكن لا استقلالًا ، ومتّصفة بأوصاف كذلك ، كالإرادة والتكلّم والعلم في الإنسان ، كذلك هي مؤثّرة في آثارها وأفعالها ومعلولاتها ، لكن لا بنحو الاستقلال ؛ لما مرّ من أنّها صرف الربط والتعلّق ومحض الفقر والاحتياج ، لا استقلال لها أصلًا ، فالمفوّضة يقولون : النار محرقة وعلّة تامّة مستقلّة في الإحراق ، وهكذا الإنسان بالنسبة إلى أفعاله الصادرة منه والمجبّرة يقولون : إنّ المؤثّر والموجود للآثار طُرّاً والأفعال قاطبة هو اللَّه تعالى بلا واسطة ، وإنّ عادة اللَّه جارية على خلق شيء عقيب شيء وإلّا فلا تأثير ولا تأثّر للممكنات .
وإنّا نقول : الشمس مشرقة لا مستقلًاّ ، والنار محرقة لا مستقلًاّ ، والإنسان موجد لأفعاله لكن لا استقلالًا ، وهكذا كلّ علّة ممكنة مؤثّرة في معلولها موجدة لها ،
هامش
( 1 ) - الحكمة المتعالية 2 : 204 .
( 2 ) - الذي وردت به روايات عديدة عن المعصومين عليهم السلام راجع الكافي 1 : 122 / 13 ، تلخيص المحصّل : 333 - 334 .