مضافا إلى أنّ ظهور الانصراف يقتضي كون الاستعمال في المنصرف إليه مجازا وهو خلاف الأصل ، والالتزام به في الالفاظ طرّا خلاف آخر وفساده غنيّ عن البيان .
وأمّا الدعوى الثانية - أعني لزوم التكليف بما لا يطاق - لو لم نحملها على المعاني المعلومة . فلأنّ الملازمة فيها أوّلا ممنوعة ، لأنّه بعد الفحص إمّا يرتفع الاشتباه فلا كلام ويستمر الاشتباه بين أمور غير محصورة أو بين أمور محصورة .
فعلى الأوّل لا كلام أيضا لعدم لزوم الاجتناب حينئذ .
وعلى الثاني ، فإن قلنا بأنّ العلم الاجمالي غير معتبر كالجهل الصرف فكذلك إن قلنا بأنّه معتبر كالعلم التفصيلي فلا يلزم التكليف بما لا يطاق ، لإمكان الاتيان بجميع المحتملات أو ترك جميع المحتملات إذا كان الأمر دائرا بين الواجب وغير الحرام أو الحرام وغير الواجب ، وإن كان دائرا بين الواجب والحرام ، فإن كان أحدهما مسبوقا باليقين فيستصحب ، وإن لم يكن كذلك يرجع إلى المرجّحات إن وجدت ، وإلا حكم بالتخيير مع القرعة كما سيأتي إن شاء اللّه تفصيلا .
وثانيا : ثبوت الملازمة على تقدير ثبوتها لا يستلزم ثبوت المدّعى ، أعني كون العلم من مداليل اللفظ ، بل أقصى ما يستلزم هو كون العلم من شرائط تنجّز التكليف نظير القدرة وسائر المقدّمات ، وأين هذا من ذلك ؟
وثالثا : لو سلّمنا الاستلزام فهو أخصّ من المدّعى ، لأنّ أقصى ما يستلزم هو كون العلم من مداليل متعلّقات الطلب خاصّة ، لأنّه مداليل جميع الألفاظ .
وأمّا المرحلة الثانية : فالكلام فيها إمّا في وجوب الموافقة القطعيّة وعدمه ، فالمتكفّل لها هي مسألة البراءة والاشتغال عند الشكّ في المكلّف به . وإمّا في حرمة المخالفة القطعيّة وعدمه ، فالظاهر حرمة المخالفة القطعيّة ، لبناء العقلاء على انّها معصية ، فإنّهم لا يفرّقون بين الخطاب المعلوم تفصيلا أو إجمالا في حرمة مخالفته
تقريرات في أصول الفقه — صفحة 85
مساهمون: السيد عبد الحسين اللاري
ص٨٥