وقد يورد على هذه الأخبار أيضا ما أورد على الادلّة السابقة من أنّ أقصى مفادها هو ظهور الأمر في الإيجاب . وهو أعمّ من استناده إلى الوضع ومن استناده إلى الانصراف ، والجواب الجواب من عدم ثبوت شيء من سببي الانصراف فيما نحن فيه ، فيتعيّن استناده إلى الوضع لا غير .
ومن جملة الأدلّة الدالّة على وجوب الأمر أنّ تارك المأمور به عاص ، وكلّ عاص يستحق العقاب ، فترك المأمور به يستحقّ العقاب ، وهو من لوازم الإيجاب والمنع عن الترك ، أمّا الصغرى ، فمضافا إلى شيوع قول العرف : أمرتك أمرا فعصيتني ، تدلّ عليه عدّة من الآيات مثل قوله :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ
« 1 » و
لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
« 2 » و
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
« 3 » إلى غير ذلك .
وأمّا الكبرى فلقوله
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها
« 4 » .
وقد أورد عليه أوّلا : بمنع كلية الصغرى بأنّ تارك المأمور به عاص في الجملة ، لا مطلقا فلا ينتج إلّا جزئية ، إذ لا عموم في المثال العرفي والآيات المذكورة .
وثانيا : بمنع كلية الكبرى ، لأنّ الأمر دائر بين تخصيص عموم « من » الموصولة بطائفة الكفار وبين ارتكاب التجوز في الخلود بحمله على المكث الطويل ، ولا ريب أنّ التخصيص أولى من المجاز .
لا يقال : بأنّ التخصيص المذكور تخصيص بالأكثر ، فالمجاز أولى منه .
هامش
( 1 ) التحريم : 6 .
( 2 ) الكهف : 69 .
( 3 ) طه : 93 .
( 4 ) الجن : 23 .