عدم القول بالفصل بين صيغ الأمر يتمّ المدعى أيضا ، مضافا إلى أنّه لو سلّم وجود القول بالفصل لكفى في دفعه وإتمام المدّعى ما مرّ غير مرّة من أنّه لا يكاد يعرف لفظ يختلف معناه الموضوع له بحسب اختلاف المتكلّمين به مع عدم اختلاف العرف ، بل لا يعرف ذلك في سائر اللغات ، وعلى فرض وقوعه في اللغة فهو نادر جدّا ، وذلك كاف في اتّحاد معنى الصيغة مطلقا ، أي : سواء صدر من العالي أو من الداني ، وسواء لاحظ المتكلّم جهة علوّه أو دنوّه أو لم يلاحظ أو لاحظ خلاف الجهة التي هو عليها بأن لاحظ الاستعلاء مع دنوّه والانحطاط مع علوّه .
ومن جملة الأدلّة الدالّة على إيجاب الأمر ما استدلّ به في الإشارات « 1 » وغيره من دعوى السيرة القطعيّة من الأئمّة والتابعين وتابعي التابعين في جميع الأعصار والأمصار على قطع المخاصمات والمناظرات بإيراد أمر من أوامر الكتاب والسنّة ، حيث علم ضرورة من عادتهم أنّه متى أورد أحدهم على صاحبه أمرا من الكتاب والسنّة لم يقل صاحبه : هذا أمر والأمر يقتضي الندب أو الوقف بين الوجوب والندب ، بل اكتفوا في اللزوم والوجوب بالظاهر ، ولو كان سببه النقل في الشرع لشاع وذاع حتى قرع الأسماع وتواتر ، مع أنّه خلاف الأصل والظاهر ، واحتمال أن يكون سببه الانصراف لا الوضع . مدفوع بما مرّ تفصيلا من عدم وجود شيء من سببي الانصراف فيما نحن فيه ، مضافا إلى إمكان تأييد أدلّتنا المذكورة بالإجماعات المنقولة من محقّقي العامّة والخاصّة .
فتلخّص من جميع ما ذكرنا تماميّة الاستدلال على المطلوب بكلّ ما ذكرناه من التبادر ، وصحة السلب ، وظاهر الآيات والأخبار والسيرة ، وهاهنا ادلّة أخر غير نقية .
هامش
( 1 ) إشارات الأصول : 41 .