فإن قلت : أيّ فرق بين تعارض الخبرين وغير الخبرين ؟ فكما يحمل المطلق على المقيد في تعارض الخبرين الاصطلاحيين ، كذلك ينبغي أن يحمل المطلق على المقيّد في الخبرين الغير الاصطلاحيين ، لا يقال : الفرق هو اتّحاد المحكي عنه حقيقة أو حكما في الخبرين الاصطلاحيين دون ما نحن فيه ، لأنّا نقول :
المحكيّ عنه فيما نحن فيه هو واضع اللغة وهو إمّا الخالق أو المخلوق ، وعلى أيّ تقدير فهو واحد أيضا .
قلت : فرق الخبرين الاصطلاحيين عما نحن فيه هو استناد الأوّل إلى المبادي السمعيّة واستناد الثاني إلى المبادي الحدسيّة الاجتهادية ، كما هو المفروض .
ومن المعلوم أنّ فهم العرف إرادة المقيّد من المطلق إنّما هو في المطلق والمقيّد المستندين إلى الحسّ والسماع ، دون المستندين إلى الحدس والاجتهاد في الرأي ، كما لا يخفى ، مع أنّ فهم التقييد من تعارض المطلق والمقيّد إنّما هو في خصوص الأحكام التكليفية الإلزامية .
وأمّا في الأحكام الوضعية أو التكليفية الغير الإلزاميّة فلا يفهم العرف غالبا من تعارض المطلق والمقيّد إلّا التأكيد في جانب المقيّد .
فإن قلت : لو سلّمنا تقديم قول المثبت على النافي فإنّما نسلّمه فيما لو كان عدم المثبت مأخوذا في مفهوم النفي بأن يكون معلّقا بعدم المثبت كأصل البراءة بالنسبة إلى الدليل الاجتهادي المثبت للتكليف ، وأمّا ما لم يكن كذلك فلا دليل على تقديم المثبت .
قلت : لا ينحصر تقديم الإثبات على النفي بصورة كون عدم المثبت مأخوذا في معنى النفي ، بل ربما يكون النفي تنجيزيّا ومع ذلك يقدّم الإثبات عليه ، وهو فيما كان النفي مسبّبا عن عدم الوجدان ، والإثبات لا محالة مسبّب عن الوجدان .
تقريرات في أصول الفقه — صفحة 101
مساهمون: السيد عبد الحسين اللاري
ص١٠١