المدار والميزان في الظهور العرفي هو التبادر والانسباق . وما ذكر من النكات وإن كانت مطبوعة مقبولة بعد الالتفات إليها ، إلّا أنّها ليست منسبقة إلى الذهن العرفي بمجرّد استماعه للكلام ، بل تكون مغفولة عنها ، بل لا تأتي في الذهن إلّا بعد التنبيه عليها فلا تفيد في مقام تقريب الظهور وتوجيه الدلالة . فالمعتمد في إثبات الوجوب هو الانصراف الذي اخترناه في الصيغة . فنقول مدلول الكلام بالدلالة الكنائية هو الطلب ؛ لأنّ الكلام مستعمل في الخبر بداعي الإنشاء ، فهو ظاهر في كون المراد الجدّي منه البعث والطلب . وبما أنّ البعث والطلب في جميع الموارد مع التجرّد عن القرينة منصرف إلى الحصّة الوجوبية فيثبت للكلام ظهور انصرافي في الوجوب لا ظهور وضعي فيه ، ولذا لا يكون استعماله في الندب استعمالا مجازيا بلحاظ مدلوله الكنائي . والحمد للّه رب العالمين .
ظهور الصيغة في الوجوب لولا كونه حقيقة فيه
قال قدّس سرّه في الكفاية : إن سلم أنّ الصيغة لا تكون حقيقة في الوجوب هل لا تكون ظاهرة فيه أيضا أو تكون ؟
قيل : بظهورها فيه إمّا لغلبة الاستعمال فيه ، أو لغلبة وجوده ، أو أكمليّته ، والكلّ كما ترى ، ضرورة أنّ الاستعمال في الندب وكذا وجوده ليس بأقلّ لو لم يكن بأكثر ، وأمّا الأكمليّة فغير موجبة للظهور ؛ إذ الظهور ناش من شدّة الانس ومجرّد الأكمليّة لا يوجبه . نعم ، فيما كان الآمر بصدد البيان فمقتضى مقدّمات الحكمة هو الحمل على الوجوب ، فإنّ الندب كأنّه يحتاج إلى مئونة بيان التحديد والتقييد بعدم المنع من الترك ، بخلاف الوجوب فإنّه لا تحديد فيه للطلب ولا تقييد ، فإطلاق اللّفظ مع كون المولى في مقام البيان كاف في بيانه « 1 » .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 72 .