قوله رحمه اللّه : « إجمال الخطاب أو إهماله » لعلّ الفرق بينهما أنّ المتكلّم في الصورة الأولى في مقام البيان ، لكن يأتي بكلام لا ظهور له في إفادة المراد ، وفي الصورة الثانية ليس في مقام البيان أصلا ، أو إنّ قصور البيان إن كان عن عمد لأجل مصلحة فيه فهو إجمال وإن كان لم يكن كذلك فهو إهمال . وقيل بأنّ الإجمال قصور الدليل عن كيفيّة تشريع الحكم ، والإهمال عبارة عن تشريع الحكم على موضوعه في الجملة ، مع تعلّق غرض المتكلّم بعدم التعرّض لجميع الجهات الدخيلة في الحكم .
وحاصل ما أفاده قدّس سرّه أنّه لا تظهر ثمرة بين القولين في ناحية الأصل العملي ، فالقول بالصحيح ينسجم مع القول بالبراءة وكذا الاشتغال ، والقول بالأعم أيضا كذلك . والمحور والمدار هو الخلاف في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ، حيث قيل فيه بالبراءة وقيل فيه بالاشتغال .
أقول : وجه البراءة انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيليّ وشكّ بدويّ ، فإن قلنا به وقلنا بأنّ حال الارتباطيّين من هذه الجهة حال الاستقلاليّين ، فالمرجع هو البراءة ، وإن قلنا بعدم الانحلال ، كان المرجع الاشتغال . ومقامنا هذا أحد صغرياته ، لأنّ تعلّق التكليف على كلّ تقدير ( أي سواء قلنا بالصحيح أو الأعمّ ) معلوم تفصيلا ، وتعلّق التكليف بما عداه مشكوك فيه ، والمرجع عند الشكّ في التكليف ، هو أصالة البراءة ، كما هو واضح . أمّا على الأعمّ فواضح ، وأمّا على الصحيح ، فلأنّ المراد منه الوضع لواقع الصحيح ( أي ما هو صحيح بالحمل الشائع ) وهو عين الأجزاء والشرائط بتمامها ، فإذا شككنا في مقدار التامّ والكامل ، وأنّه هل يكون عشرة مثلا أو تسعة ، كان الشكّ في الجزء الأخير شكّا في تعلّق التكليف به بالشكّ البدوي ، لانحلال العلم الإجمالي حسب الفرض ، كما أنّه إن لم نقل بالانحلال لكون الواجب ارتباطيا - كما توهّمه البعض -
تحرير الأصول — صفحة 191
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص١٩١