أقول : يمكن أن يقال : إنّه على فرض شمول دليل الحجية لما علم كذبه إجمالا وكون مؤدى كل منهما حكما إلزاميا في موضوع واحد ، يكون الحكم تساقطهما لا التزاحم والتخيير ؛ فإنّ تزاحم الملاكين والمقتضيين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر يوجب عدم ثبوت الحكمين معا ، فالحكم في ذلك ما يقتضيه الأصل لا التخيير لأجل التزاحم ، لأنّ التزاحم إنّما يقع بين الدليلين في ظرف تحقق الملاك لكل واحد منهما وعجز المكلّف في مقام الامتثال عن الإتيان بكليهما .
وهكذا إذا كان دليل غير الإلزامي أيضا دالا على كونه عن علة واقتضاء ، فإنّ لازم ذلك عدم الحكم بأحدهما لتعارض المقتضيين .
وبعبارة أخرى : الصحيح أن يقال : إذا كان مؤدى أحدهما الحكم الإلزامي والآخر الحكم غير الاقتضائي يؤخذ بالإلزامي ، لعدم تعارض بينهما . وأمّا إذا كان مؤدى الآخر الحكم الاقتضائي غير الإلزامي ، كالكراهة والاستحباب والإباحة ، إذا كان عن علة مقتضية لها ، فيقع التزاحم بينهما على مبنى صاحب الكفاية « 1 » ، لتعارض مثل مقتضى الوجوب ومقتضى الكراهة في شيء واحد ، فيتساقطان . وهذا بخلاف باب التزاحم ، فإنّ فيه يقدم الإلزامي على غيره .
وأيضا فما أفاد من الأخذ بحكم بغير الالزامي الاقتضائي دون الإلزامي لعدم العلم بتمامية علة الإلزامي « 2 » .
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول 2 : 387 . 388 .
( 2 ) . نفس المصدر .