وامّا الرابع : وهو كون النقض مقابل الإبرام ، وانّ التقابل بينهما عدم وملكة ، لا السلب والإيجاب ، ولا التضادّ فيرده ما يلي :
أوّلا : لم يثبت لزوم كون النقض مقابل الإبرام ، بل النقض مقابل الإبقاء ، سواء كان الإبقاء هو الإبرام ، أم غيره ، ويؤيّده نقل المعنيين له في كتب اللغة .
وثانيا : كونه عدما وملكة - لا سلبا وإيجابا ولا تضادّا - غير ثابت ، إذ كما قال لسان العرب - : « ناقضه خالفه » فهو مقابل وافقه ، أو هو بمعنى جامع يشمل ما يقابل وافقه .
فيحتمل كونه سلبا وإيجابا ، نظير الموافقة وعدمها .
ويحتمل كونه تضادّا ، نظير الموافقة والمخالفة .
بل قد يقال : بكون النقض مختلفا في موارد استعماله ، ففي بعضها تقابله مع مقابله بالعدم والملكة ( كالنقض والإبرام ) وفي بعضها بالتضادّ ( كالمخالفة والموافقة ) وفي بعضها بالسلب والإيجاب ( كالموافقة وعدمها ) .
وامّا الخامس : وهو الثبوت الدائم حتى يصدق النقض ، فيردّه : استعماله في الوصيّة التي لا ثبوت دائم لها حال حياة الموصي ، ونقض الشعر الذي لا ثبوت له لانفلاله شيئا فشيئا ، وقوله تعالى :
فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ
« 1 » فالجدار الذي يريد أن ينقضّ - يعني المشرف على الانهدام - ليس له ثبوت دائم لزواله شيئا فشيئا ، وغير ذلك من الأمثلة .
وليعلم : انّ « انقضّ ينقضّ » افعلال من « نقض ينقض » وانفعال من « قضّ يقضّ » وكلاهما بمعنى الهدم « 2 » .
هامش
( 1 ) - الكهف : آية / 77 .
( 2 ) - مجمع البيان في تفسير الآية 77 من سورة الكهف .