والحقّ - هنا أيضا نظير ما تقدّم « 1 » في الأمر من - أنّها للتحريم لغة ، وشرعا ، وعرفا .
لنا : تبادره عرفا عند الإطلاق ، ولذا يذمّ العبد بفعل ما نهاه المولى عنه ، والأصل عدم النقل . وسائر ما تقدّم في الأمر سوى الآيات وإن أمكن أن يقال بجريانها أيضا فيه ؛ لعدم الفرق بينهما إلّا في متعلّق الطلب .
ولنا قوله تعالى :
وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
« 2 » ، أوجب الانتهاء عمّا نهى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عنه ؛ لما ثبت من كون الأمر للوجوب ، وما يجب عنه الانتهاء فقد حرم فعله ، وتحريم ما نهى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عنه يدلّ بالفحوى على تحريم ما نهى اللّه سبحانه عنه . فلا يرد أنّ موضع النزاع أعمّ ممّا يدلّ عليه الآية .
وقوله تعالى :
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
« 3 » ، ووجه دلالته على المطلوب ظاهر .
وقوله تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
« 4 » .
وقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا
« 5 » . ووجه دلالتهما أنّهما وردا في معرض الإنكار والذمّ على الرجوع إلى المنهيّ عنه ، ولو لم يكن الرجوع إليه محرّما ، لما توجّه الذمّ ، والقول باحتمال توجّه الذمّ على ترك الأولى خلاف الظاهر .
ثمّ بعد دلالة الآيات على التحريم يثبت عموم المطلوب بأصالة عدم النقل .
لا يقال : المسلّم دلالة الآيات على حرمة ما نهى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عنه ، لا على دلالة صيغة « لا تفعل » على التحريم ، فمن أين يعلم أنّ ما نهى به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله هو هذه الصيغة ؟ فلعلّ ما يتحقّق به النهي التحريمي غير هذه الصيغة ، أو هي مع ضمّ القرائن الدالّة على التحريم ، وكان الصادر عنه صلّى اللّه عليه وآله في مقام النهي أحدهما دون مجرّد الصيغة .
لأنّا نقول : إنّ حقيقة النهي - كما عرفت « 6 » - هو القول الدالّ على طلب الترك وضعا ، وهو
هامش
( 1 ) . ص 602 .
( 2 ) . الحشر ( 59 ) : 7 .
( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 166 .
( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 28 .
( 5 ) . المجادلة ( 58 ) : 8 .
( 6 ) . في ص 678 .