واحتجّ من أنكر استلزامه له بما احتجّ به المنكر لتضمّنه للنهي عن الضدّ العامّ من ذهول الآمر عن الأضداد الخاصّة والكفّ عنها ، مع أنّ دلالته على النهي تستلزم تعقّلها وتعقّل الكفّ عنها « 1 » .
وقد عرفت هناك « 2 » جوابا يصلح أن يكون جوابا هنا . على أنّ هذا الاحتجاج هنا على ما اخترناه - من أنّ دلالته عليه بالالتزام المعنوي - ساقط من أصله ؛ فإنّه يتوجّه على القائل بالالتزام اللفظي وهو عندنا باطل ؛ لأنّ شرطه اللزوم العقلي أو العرفي ، ونحن نقطع بأنّ تصوّر معنى الأمر لا يحصل منه الانتقال إلى تصوّر الضدّ الخاصّ والكفّ عنه .
واحتجّ هذا القائل بأنّ أمر الإيجاب طلب فعل يذمّ على تركه ، فالذمّ بالترك من معقول الإيجاب « 3 » فلا ينفكّ عنه تعقّلا ، ولا ذمّ إلّا على فعل ؛ لأنّه المقدور ، وما هو هاهنا إلّا الكفّ عن الفعل أو فعل ضدّه ، وكلاهما ضدّ للفعل ، والذمّ بأيّهما كان فهو يستلزم النهي عنه ؛ إذ لا ذمّ بما لم ينه عنه ؛ إذ هو معناه « 4 » .
والجواب : أنّ ما لا ينفكّ عن الإيجاب - على فرض تسليمه - هو الذمّ على الترك ، أعني عدم الفعل - أي استمراره وعدم قطعه - فلا يرد أنّه لا ذمّ عليه ؛ لكونه أزليّا غير مقدور عليه . أو الكفّ « 5 » ، لا الذمّ على فعل الضدّ ، فيلزم منه استلزامه لفظا للنهي عن الضدّ العامّ لا الخاصّ ، بل استلزامه له معنوي ، كما ذكرناه « 6 » .
فإن قلت : لو كان الذمّ على نفي الفعل ، أو الكفّ « 7 » ، لكان النفي أو الكفّ منهيّا عنه ، والنهي هو طلب النفي أو الكفّ ؛ فالنهي عن النفي طلب النفي عن النفي ، والنهي عن الكفّ طلب الكفّ عن الكفّ ؛ فيلزم وجوب تصوّر النفي عن النفي ، أو الكفّ عن الكفّ لكلّ آمر بشيء ،
هامش
( 1 ) . قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1 : 197 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 192 ، وحكاه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 136 ، القاعدة 40 .
( 2 ) . في ص 654 .
( 3 ) . والمراد أنّ « الذمّ بترك الفعل » داخل في مفهوم الإيجاب .
( 4 ) . حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 67 .
( 5 ) . عطف على « الترك » .
( 6 ) . تقدّم في ص 654 .
( 7 ) . عطف على « نفي » .