الأمر بالشيء نهيا عن ضدّه ، أو وجب مقدّمة الفعل المأمور به ، أو حرم مقدّمة الحرام وملزومه ، لحرمت الصلاة من حيث إنّها ترك الحجّ وأداء الدين ، ومن حيث إنّ تركها يتوقّف عليه فعلهما ، وإنّ فعلها يستلزم تركهما ، وحرم الأكل والشرب والنوم وغيرها من المباحات من حيث إنّ فعلها ترك لضدّها المأمور به ، وإنّ تركها يتوقّف عليه فعله ، وإنّ فعلها يستلزم تركه .
قلت : نحن نلتزم حرمة الواجب الموسّع أو المباح إذا كان ضدّا للواجب المضيّق ، وكان تركه ممّا يتوقّف عليه فعله ، وفعله مستلزما لتركه ، وهل الكلام إلّا في ذلك ؟ وأيّ استبعاد فيه بعد قيام الحجّة عليه ؟ ولا يلزم منه حرمة كلّ واجب موسّع في كلّ وقت ، بل حرمة بعض أفراده في وقت كون ضدّه مأمورا به لا في كلّ وقت ، ولا حرمة كلّ مباح ؛ ليلزم مثل شبهة الكعبي « 1 » ، بل حرمة بعض أفراده في الوقت المذكور .
ومنها : أنّه لو لم يكن الضدّ منهيّا عنه ، لجاز فعله ، فيفرض فعله والاتّصاف به ، ونقول في هذا الوقت : إمّا يجب امتثال ذلك الأمر المضيّق أم لا .
فعلى الأوّل : يلزم الأمر بإيجاد ضدّ في الأمر بإيجاد ضدّ في وقت وجود ضدّه ، وهو تكليف بالجمع بين الضدّين ، وهو محال .
وعلى الثاني : يلزم خروج الواجب المضيّق عن كونه واجبا مضيّقا ، فالأمر بالحركة فورا لو لم يستلزم النهي عن السكون ، لزم إمّا التكليف بإيجاد الحركة والسكون في وقت واحد ، أو عدم كون الحركة مأمورا بها ، وكلاهما باطل .
وعلى هذا لو كان الضدّ عبادة ، لزم بطلانها لو فعلت في الوقت المأمور به ؛ لأنّ النهي يقتضي البطلان ، وإلّا لزم كون شيء واحد واجبا وحراما ، أو ندبا وحراما ، وهو باطل . هذا .
وممّا يؤيّد المطلوب من السمعيات قوله تعالى :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
« 2 » وما ورد من الأخبار في موارد جزئيّة من الحكم ببطلان عبادة مضادّة للمأمور به ، كبطلان صلاة من لم يترك في سعة الوقت « 3 » ، وغير ذلك .
هامش
( 1 ) . حكاه الغزالي في المستصفى : 66 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 193 ، والعلّامة في تهذيب الوصول : 111 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 27 .
( 3 ) . لم نعثر على حديث في كتب الأحاديث ولكن أفتى به الفقهاء ، منهم الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 142 ، القاعدة 42 .