ولا الكفّ عنهما ؛ لأنّ النهي عنهما ليس خطابا أصليّا حتّى يلزم تعقّله ، بل هو خطاب تبعي ، كالأمر بمقدّمة الواجب اللازم من الأمر ؛ فإنّ الآمر قد لا يشعر بها أصلا ، مع أنّها واجبة ومطلوبة ، وكثيرا ما يلزم من الكلام معان ليست مقصودة للمتكلّم ، ويسمّى دلالة إشارة ، كما تقدّمت الإشارة إليها « 1 » .
ثمّ هذا في أوامر غيره تعالى ، وأمّا في أوامره ، فكلّ ما يلزمها يعلم به ، فلا حاجة فيها إلى هذه التوجيهات . هذا .
وكيفيّة التفريع هنا ظاهرة .
المقام الرابع : في أنّ الأمر المذكور من غير تقييد بوقت خلوّ المأمور عن الضدّ الخاصّ - سواء كان المأمور مشتغلا به أم لا - يدلّ بالالتزام المعنوي على النهي عنه بشرط أن لا يكون الضدّ أيضا واجبا مضيّقا .
ويدلّ عليه وجوه :
منها : أنّ فعل المأمور به لا يتمّ إلّا بترك ضدّه ، وما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب .
وأجيب عنه بأنّه لا مدخل لترك الضدّ في فعل المأمور به ، بل العلّة فيه ليست إلّا وجود الداعي إليه ، وانتفاء الصارف عنه . نعم ، ترك الضدّ غير منفكّ عنه في الخارج ، وذلك لا يستلزم توقّفه عليه . وحاصله ، أنّه ليس عينه ، ولا مقدّمة له ، بل هو مقارن له ؛ لأنّ مقدّمة الشيء ما يتوقّف عليه وجود هذا الشيء ، فوجوب مقدّمة الواجب مسلّم ، وكون ترك الضدّ منها ممنوع . وعلى هذا لو كان الضدّ واجبا موسّعا فترك المكلّف المأمور به وأتى بالواجب الموسّع كان مؤدّيا له « 2 » ، خارجا عن عهدة التكليف ، إلّا أنّه يأثم بترك المأمور به . ومن هنا يظهر أنّه لا تلازم بين القول بوجوب مقدّمة الواجب واقتضاء الأمر النهي عن الضدّ الخاصّ ، بل يصحّ أن يقال بالأوّل وإن لم يقل بالثاني « 3 » .
هامش
( 1 ) . تقدّمت آنفا .
( 2 ) . في « أو ب » : « لها » .
( 3 ) . حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 68 .