ويتفرّع عليه صحّة جميع الأمور الواجبة والمستحبّة والمباحة من أوّل وقت كلّ من الصلوات اليوميّة إلى أن يبقى منه بقدر ما يفعل فيه ، وقس عليه غيره ممّا يشابهه .
المقام الثالث : في أنّ الأمر الإيجابيّ بالمضيّق - سواء كان موقّتا أو مطلقا - يتضمّن النهي عن الضدّ العامّ ، وذلك لأنّ الأمر يدلّ على الوجوب ، وهو ماهيّة مركّبة من أمرين : أحدهما : طلب الفعل . وثانيهما : المنع من الترك ، فالأمر يدلّ على النهي عن الترك بالتضمّن .
واحتجّ من أنكر تضمّنه له بأنّه لو كان متضمّنا له لحصل تعقّله وتعقّل الكفّ عنه عنده ، مع أنّه يحصل طلب الفعل مع الذهول عن الترك والكفّ عنه « 1 » .
وأجيب بأنّ تعقّل الترك والكفّ عنه حاصل عند الآمر ، وما يذهل عنه هو الأضداد الجزئيّة الخاصّة « 2 » ؛ لأنّ المأمور لو كان متلبّسا بالفعل ، لم يطلبه الآمر منه ؛ لأنّه تحصيل الحاصل ، بل الطلب عند تلبّسه بضدّه وهو الترك ، وحينئذ يستلزم الأمر تعقّل ضدّه .
وأنت تعلم ممّا ذكر من حقيقة الإيجاب أنّه يستلزم تعقّل الضدّ والكفّ عنه وإن كان طلب الفعل عند تلبّس المأمور به « 3 » بأن يطلب منه الفعل في المستقبل ، أي يطلب منه أن يوجده في ثاني الحال كما يوجده في الحال .
نعم ، يمكن أن يقال : الإيجاب حاصل للآمر ، ولا يلزم تصوّره أصلا ؛ لثبوت الفرق بين حصول الشيء وتصوّره « 4 » ، على أنّه يمكن أن يقال : لا يلزم الشعور بالمدلول الضمني ، فمن أمر غيره بفعل معيّن ، يلزم أن يعقل ما هو مطلوبه قصدا وصريحا ، ولا يلزم أن يتعقّل المطلوب الضمني والتبعي ، فيمكن أن لا يتصوّر الآمر حين الأمر ضدّه الخاصّ ، ولا العامّ ،
هامش
( 1 ) . حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 193 ، والشيخ حسن عن بعض أهل عصره في معالم الدين : 67 .
( 2 ) . المجيب هو الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 192 و 193 .
( 3 ) . أي بالفعل ، والباء متعلّق بالتلبّس ، أي تلبّس المأمور بضدّ المأمور به وتركه - كما تخيّله المجيب - غير لازم في صحّة الأمر .
( 4 ) . ليس لهذا الكلام محصّل ، فإنّ حصول الفعل الاختياري كالإيجاب لا يحصل بلا تصوّر . نعم ليس بين حصول مطلق الشيء وتصوّره تلازم وليس الكلام فيه .