تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 877

مساهمون:

ص٨٧٧
والحقّ الأوّل ؛ لأنّ الفعل في الوقت الذي عدم فيه الوجوب إن لم يكن واجبا ، فلا يكون نفي الوجوب فيه نسخا ، وإن كان واجبا لزم توارد الأمر والنهي على محلّ واحد وهو محال ؛ لأنّ الأمر يقتضي حسنه . والنهي يقتضي قبحه ، وهما لا يجتمعان فيه ، ولأنّه إن كان حسنا يقبح النهي عنه ، وإن كان قبيحا يقبح الأمر به « 1 » . وأجيب عنه باختيار عدم وجوبه في هذا الوقت - أي الوقت الذي قبل التمكّن - ومنع عدم النسخ حينئذ ؛ لأنّ هذا الوقت ذو أجزاء ، فالإثبات في بعضها والنفي في بعض آخر ، فأمر بالفعل في وقت ، ثمّ نهى عنه في وقت آخر هو وقت النسخ ، وكلا الوقتين من قبل وقت التمكّن ، فالتكليف وعدمه قبل وقت التمكّن في زمانين ، فلا تناقض إلّا أنّ متعلّقهما هو الفعل في وقت واحد هو وقت التمكّن ، فالأمر « 2 » بفعل بعد الزوال مثلا يكون مأمورا به عند الطلوع ومنهيّا عنه في الضحى ، إلّا أنّ متعلّق الأمر والنهي هو الفعل بعد الزوال ، وذلك جائز ، وهو محلّ النزاع . وأنت تعلم أنّ حاصله أنّ الأمر والنهي تعلّقا في زمانين بشيء غير مراد ، فالأمر به في هذا الزمان حسن من حيث هو ، والنهي عنه في ذلك الزمان قبيح من حيث هو « 3 » . وفيه : أنّ الأمر والنهي يتبعان متعلّقهما في الحسن والقبح ، إن حسنا فحسنان ، وإن قبيحا فقبيحان ، فمتعلّقهما - وهو الفعل في وقت التمكّن - إن كان غير مراد لم يكن مأمورا به ، فلا معنى لحسن الأمر به في وقت ، فينتفي النسخ ، وإن كان مرادا فلا معنى للنهي عنه . وبذلك يندفع ما قيل : أنّ الأمر كما يحسن لمصلحة تنشأ من المأمور به ، كذلك يحسن لمصلحة تنشأ من نفس الأمر ، من توطين نفسه على الامتثال فيصير مطيعا ، أو عزمه على الترك فيصير عاصيا « 4 » ، على أنّ ذلك لو صحّ فإنّما يصحّ ممّن لا يعلم العواقب دون من يعلمها ؛ لاقتضائه السخريّة والإغراء بالجهل . فإن قيل : هذا الدليل ينفي النسخ مطلقا ، فلا يصحّ أن يتمسّك به القائل به .
هامش
( 1 ) . هذا إذا كان نسخ الوجوب بتحريم الفعل لا برفع الوجوب . ( 2 ) . كذا في النسختين . والظاهر : « فبالأمر » ، وإلّا يلزم خلوّ الجملة عن العائد إلى المبتدأ . ( 3 ) . راجع إرشاد الفحول 2 : 51 . ( 4 ) . قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 127 .