تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنيس المجتهدين في علم الأصول — صفحة 843

مساهمون:

ص٨٤٣
ألفاظ موضوعة لحقائق مفهومة منها عند إطلاقها وهي الاستغراق ، والشياع ، والدوام يحملها عليها كلّ مخاطب ، ولا يعدل عنها إلّا بقرينة التجوّز ، فيقبح من الحكيم أن يراد « 1 » بها في حال الخطاب غيرها من غير دلالة ، بخلاف المجمل ؛ فإنّه ليس له معنى حقيقي مفهوم عند إطلاقه حتّى يلزم من تأخير بيانه العدول عمّا وضع . وبأنّ الخطاب وضع للإفادة ومن سمع عامّا أو مطلقا أو حكما ، وجوّز أن يكون مخصوصا أو مقيّدا أو منسوخا ، ويبيّن له في المستقبل ، لم يستفد في هذه الحال شيئا ، ويكون وجوده كعدمه ، وهو ينافي وضع الخطاب . وبأنّه لو جاز التأخير ، فإمّا إلى مدّة معيّنة - وهو تحكّم ، ولم يقل به أحد - أو إلى الأبد ، فيلزم التكليف بما لا يفهم « 2 » . والجواب عن الأوّل : أنّه لا ريب في افتقار استعمال اللفظ في غير الموضوع له إلى القرينة عند الحاجة ؛ لئلّا يلزم الإغواء ، وأمّا افتقاره إليها عند وقت التكلّم من دون بلوغ وقت الحاجة ، فلا دليل عليه ولا يلزم منه الإغواء ؛ لأنّه فيما انتفى احتمال التجوّز ، وانتفاؤه فيما قبل وقت الحاجة يتوقّف على ثبوت منع التأخير مطلقا ، وقد فرضنا عدمه . وقولهم : « الأصل في الكلام الحقيقة » معناه أنّ اللفظ مع فوات وقت القرينة يحمل على الحقيقة لا مطلقا . وممّا يؤكّده اتّفاقهم على جواز إسماع العامّ المخصوص بالعقل وإن لم يعلم المخاطب تخصيصه به ، واتّفاق أجلّة المحقّقين على إسماع العامّ المخصوص بالدليل السمعي من دون إسماع المخصّص ؛ لأنّه لو ثبت لزوم الإغواء هنا ، ثبت لزومه هناك أيضا ، لأنّ السامع للعامّ مجرّدا عن القرينة يحمله على الحقيقة . فإن قالوا : لا يجوز الحمل عليها إلّا بعد الفحص عن المخصّص . قلنا : فيما نحن فيه لا يجوز الحمل على شيء حتّى يحضر وقت الحاجة ، ويوجد القرينة ويطّلع عليها ، فيعمل بمقتضاها .
هامش
( 1 ) . كذا في النسختين . والأولى : « يريد » . ( 2 ) . حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 143 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 164 .