فيجوز تأخيره ، فيجب أن يقول : هذا العامّ مخصوص وهذا المطلق مقيّد ، وهذا الحكم سينسخ ، ولا يجب تفصيل ما خصّ عنه ، وذكر الصفة التي قيّد بها ، وتعيين وقت النسخ .
وقيل بمثل ذلك في غير النسخ « 1 » ، وأمّا فيه ، فحكمه حكم المجمل ، فلا يلزم بيانه تفصيلا ولا إجمالا .
لنا : عدم مانع من التأخير وإمكان مصلحة فيه يحسن « 2 » لأجلها ، كالعزم وتوطين النفس على الفعل إلى وقت الحاجة ؛ لما عرفت من ترتّب الثواب عليه « 3 » . ويؤكّده أنّ البيان إنّما يراد ليتمكّن المكلّف من الإتيان بما كلّف به ، فلا حاجة إليه قبل الوقت .
وأيضا لا خلاف في عدم اشتراط قدرة المكلّف على الفعل حال الخطاب ، وإذا جاز تأخير إقداره على الفعل ، فتأخير علمه بتفاصيل بعض صفات الفعل أولى بالجواز .
ولنا أيضا : أنّه لو لم يجز تأخيره زمانا طويلا ، لم يجوز زمانا قصيرا مع أنّه جائز ؛ للإجماع على جواز تأخير القرينة عن وقت التلفّظ بالمجاز بحيث لا يخرج الكلام عن كونه واحدا عرفا . وأنت خبير بإمكان إبداء الفرق بينهما « 4 » .
ولنا : قوله تعالى :
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
« 5 » .
وجه الاستدلال به أنّ « ثمّ » للتراخي ، فيدلّ على جواز تأخير البيان عن المبيّن .
ولنا : أنّه وقع ، والوقوع دليل الجواز .
أمّا الثاني ، فظاهر .
وأمّا الأوّل ، فلأنّه تعالى قال أوّلا في المغنم :
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى
« 6 » ، ثمّ بيّن أنّ السلب للقاتل . و « ذي القربى » بنو هاشم دون بني اميّة وبني نوفل ، وهذا عامّ تأخّر عنه بيانه ؛ إذ لم يكن معه بيان تفصيلي - وهو ظاهر - ولا إجمالي ؛ لأنّ الأصل عدمه ، ولأنّه لو اقترن به لنقل ؛ لتوفّر الدواعي عليه .
هامش
( 1 ) . نسبه ابن الحاجب إلى الجبائي في منتهى الوصول : 141 .
( 2 ) . في « أ » : « يحسّن » .
( 3 ) . في ص 836 .
( 4 ) . أي الزمانين . وهذا الأمر - من ردّ المستدلّ نفسه ما استدلّ به - غير معتاد .
( 5 ) . القيامة ( 75 ) : 19 .
( 6 ) . الأنفال ( 8 ) : 41 .