احتجّ الخصم بورود الاستثناء من غير الجنس في القرآن ، كقوله :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
« 1 » ، و
إِلَّا إِبْلِيسَ
« 2 » ، و
إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
« 3 » ، و
إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
« 4 » ، و
إِلَّا خَطَأً
« 5 » ، وغير ذلك ، والأصل في الاستعمال الحقيقة « 6 » .
والجواب - كما عرفت مرارا - : أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة ، وورود المجاز في القرآن غير عزيز .
فصل [ 32 ] [ : إذا كان الاستثناء مشتركا بين المتّصل والمنفصل ، لم يحدّا بحدّ واحد ]
الاستثناء إن كان متواطئا في المتّصل والمنفصل - أي كان مشتركا معنويّا بينهما - أمكن أن يحدّ المتّصل والمنفصل بحدّ واحد باعتبار المعنى المشترك بينهما ، وهو مجرّد المخالفة الأعمّ من الإخراج وعدمه ، فيقال : هو ما دلّ على مخالفة بحرف وضعت له غير الصفة .
وإن كان مشتركا بينهما ، أو حقيقة في المتّصل ، مجازا في المنقطع ، فلا يمكن تحديدهما بحدّ واحد ؛ لتغاير حقيقتهما حينئذ ، بل يحدّ المنقطع حينئذ بأنّه : ما دلّ على مخالفة بحرف وضعت له من غير إخراج .
وحاصله ما لم يدخل المستثنى فيه في المستثنى منه . وتفسيره بكونه من غير جنس المستثنى منه ، فاسد ، كما نبّه عليه جماعة من النحاة ؛ لأنّ قول القائل : « جاء بنوك إلّا بني زيد » منقطع مع أنّه من جنس الأوّل « 7 » . فكلّ ما كان من غير جنس المستثنى منه منقطع ، ولا عكس كلّيا .
ويحدّ المتّصل بأنّه الإخراج بحرف وضعت له غير الصفة . ويخرج بقولنا : « حرف
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 29 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 34 .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 157 .
( 4 ) . الواقعة ( 56 ) : 26 .
( 5 ) . النساء ( 4 ) : 92 .
( 6 ) . راجع منتهى الوصول لابن الحاجب : 121 .
( 7 ) . نقله عنهم الأسنوي في التمهيد : 392 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 197 ، القاعدة 67 ، واعلم أنّ عدّ بني زيد من جنس بنوك نشأ من سوء تفسير الجنس . والحقّ أنّ عدم دخول بني زيد في « بنوك » كعدم دخول الحمار في القوم .