بالعموم من غير توقّف على شيء آخر ، كما هو الشأن في سائر الحقائق .
قلت : هذا أيضا بالنظر إلى نفس الصيغة مع قطع النظر عمّا يدلّ على وجوب البحث عن المخصّص والمعارض .
كيف ؟ ولو لم يلزم استقصاء البحث عن الأدلّة وكيفيّة دلالتها ، والفحص عن المعارض والمخصّص ، بل جاز العمل بما يظفر به من دليل عامّ أو خاصّ من غير توقّف على سعي آخر ، لزم بطلان الاجتهاد ، أو كون كلّ واحد مجتهدا .
وبهذا يظهر عدم كفاية الظنّ الحاصل من أصالة عدم المخصّص .
ولنا على عدم اشتراط القطع : أنّه ممّا لا سبيل إليه غالبا ؛ إذ غاية الأمر عدم الوجدان ، وهو لا يدلّ على عدم الوجود في الواقع ، فلو اشترط ، لزم إبطال العمل بجلّ العمومات .
احتجّ القائل بعدم اشتراط الفحص مطلقا بوجوه « 1 » :
منها : احتجاج السلف بالعمومات شائعا ذائعا من دون ضمّ نفي المخصّص ، وقبول الخصم منه من دون أن يقول : لا علم لي ببحثك عن المخصّص .
ويؤكّده عمل أصحاب الأئمّة ومن قاربهم بأخبار بعض الأصول الأربعمائة ؛ لعدم تمكّن أحد منهم بجمع الكلّ ، والأئمّة عليهم السّلام كانوا عالمين بذلك وقرّروهم عليه ، فلو كان الفحص لازما ، لأمروهم بتحصيل جميعها ، ونهوهم عن العمل ببعضها ؛ إذ جلّ أحكامها من العمومات والمطلقات .
والجواب : منع الاحتجاج المذكور ، بل وقوع تسليم كلّ احتجاج العامّ على فرد من أفراده إنّما كان بعد حصول ظنّ الخصم بعدم المخصّص ، كيف ؟ ولو ثبت الاحتجاج المذكور ، لثبت الإجماع على عدم لزوم الفحص عن المخصّص ، مع أنّ لزوم فحصه ممّا ذهب إليه المعظم ونقل عليه الإجماع « 2 » .
وعمل أصحاب الأئمّة بأخبار بعض الأصول إنّما كان بعد علمهم ، أو ظنّهم بتعيّن العمل به ، فإنّهم كانوا متمكّنين من استنباط ذلك ، أو بعد فحصهم عمّا تمكّنوا من فحصه ، فإنّ
هامش
( 1 ) . أي العلّامة في تهذيب الوصول : 138 .
( 2 ) . ادّعاه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 144 .