تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
الإجماع فليس من باب السنّة ، وإن كان الغرض ما جرى العمل عليه في عهدهم ، وإن لم يتّفقوا عليه ، فهذا ليس بدليل شرعي يتقيّد به المجتهد . وقد يقال : أنّه عند الاختلاف لا تخرج سنتهم عن كونها حجّة في نفسها كأخبار الآحاد والنصوص الظاهرة ، وعلى هذا يكون سنّة قولًا وفعلًا في غير موضع الإجماع منهم ، تعدّ سنّة كخبر الآحاد فيعوّل عليها ويرجع إليها كحجّة ظنية . وهذا المعنى مأخوذ من كلام الآمدي في مذهب الصحابة . « 1 » يلاحظ عليه : أنّ قياس رأي الصحابة وسنّتهم ، على خبر الواحد ، قياس مع الفارق ، فإنّ الثاني يروي عن المعصوم ويسنده إليه ، فيدخل في باب السنّة المحكية بواسطة الثقة ، بخلاف سنّة الصحابي ، فهي مرددة بين النقل عن المعصوم ، والاستنباط عن الكتاب والسنّة ، ومع هذا التردد كيف يجوز للمجتهد أن يأخذ بها ، إذ لو كان رأي الصحابي لا يكون حجّة عليه . على أنّك قد عرفت أنّ الأصل في الظن هو عدم الحجّية ، والشكّ فيها يساوق القطع بعدمها ، فكيف يُؤخذ بهذا الظن مع عدم دليل دالّ عليه . الدليل الرابع : ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبّتهم وذم من أبغضهم ، وانّ من أحبّهم فقد أحبّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام ، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط ، إذ لا مزية في ذلك ، وإنّما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنّته ، مع حمايته ونصرته ، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتّخذ قدوة ، وتجعل سيرته قبلة ، ولما بالغ مالك في هذا المعنى بالنسبة إلى الصحابة أو من اهتدى بهديهم واستنّ بسنّتهم جعله اللّه تعالى قدوة لغيره في ذلك ، فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون آثاره
هامش
( 1 ) الموافقات : 57 / 4 ، قسم التعليقة بتلخيص .
أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه — صفحة 277 | الشيخ جعفر السبحاني