شرح
أما في الحالة الثانية فالمشهور التسالم على أن العلم بالحرمة مانع من قصد القربة . وهو كذلك بالوجدان فإن من علم أن قتل النبي من المحرمات لا يمكنه أن يقتله بقصد التقرب اليه .
ولكن الانصاف أن هذه القاعدة لا تصح على إطلاقها بل هي مختصة بما إذا كان العمل محرما رأسا على عقب .
وأما إذا كان له جهتان جهة حسنة وجهة سيئة أمكن التقرب إلى اللّه تعالى بقصد الجهة الحسنة ألا ترى أنك لو كنت في أرض مغصوبة وأخبرك المعصوم أن صلاتك في الأرض المغصوبة لها أجر وثواب وتقرب من اللّه تعالى وتوجب رضوانه فإنك تندفع إلى الصلاة بقصد القربة مع علمك بحرمة الغصب وهكذا من يشرب الخمر ويعلم أن الشرب بهذه الطريقة له ثواب فإنه يمكنه قصد القربة بالشرب بتلك الطريقة .
فالحاصل أن الأعمال ثلاثة أقسام .
الأول أعمال متمحضة في الحرمة كقتل النبي ونحو ذلك .
الثاني أعمال لها حيثية حسن وحيثية سوء لكن تكون الحيثيتان في الذهن في عرض واحد بمعنى أن الذهن يرى أنه ينبعث نحوهما في عرض واحد بحيث أنه لو لم ينبعث نحو الأولى لم ينبعث نحو الثانية كما لو فرض أن المسجد كلما يبقى فيه ينام وفرض أن النوم في المسجد حرام فهنا يكون النوم والبقاء عند الذهن في عرض واحد .
ويمكن أن نعبر عن هذا القسم بعبارة أخرى وهي أن نفرض أن المحرم لا ينفك عن العبادة بحسب اختيار المكلف بحيث أنه لو لم يفعل العبادة لا يفعل المحرم فيكون عنده أن انبعاثه نحو العبادة هو عين انبعاثه نحو المحرم .
القسم الثالث أعمال لها حيثية حسن وحيثية سوء ولكن فرض أن الانسان واقع في المحرم على كل حال أي سواء فعل العبادة أو لم يفعلها كالجالس في الأرض المغصوبة مصرا على الجلوس فيها فإما أن يصلي على تلك الحال وإما أن لا يصلي .