تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق حتى يتمسك بأصالة الإطلاق التي هي مرجعها في الحقيقة إلى أصالة الظهور . وأما إذا كان الانصراف غير ناشئ من اللفظ ، بل كان من سبب خارجي ، كغلبة وجود الفرد المنصرف إليه أو تعارف الممارسة الخارجية له ، فيكون مألوفا قريبا إلى الذهن من دون أن يكون للفظ تأثير في هذا الانصراف ، كانصراف الذهن من لفظ الماء في العراق - مثلا - إلى ماء دجلة أو الفرات فالحق أنه لا أثر لهذا الانصراف في ظهور اللفظ في اطلاقه فلا يمنع من التمسك بأصالة الاطلاق ، لأن هذا الانصراف قد يجتمع مع القطع بعدم إرادة المقيد بخصوصه من اللفظ . ولذا يسمى هذا الانصراف باسم ( الانصراف البدوي ) لزواله عند التأمل ومراجعة الذهن . وهذا كله واضح لا ريب فيه . وإنما الشأن في تشخيص الانصراف أنه من أي النحوين ، فقد يصعب التمييز أحيانا بينهما للاختلاط على الإنسان في منشأ هذا الانصراف . وما أسهل دعوى الانصراف على لسان غير المتثبت ، وقد لا يسهل إقامة الدليل على أنه من أي نوع . فعلى الفقيه أن يثبت في مواضع دعوى الانصراف ، وهو يحتاج إلى ذوق عال وسليقة مستقيمة . وقلما تخلو آية كريمة أو حديث شريف في مسألة فقهية عن انصرافات تدعى . وهنا تظهر قيمة التضلع باللغة وفقهها وآدابها . وهو باب يكثر الابتلاء به وله الأثر الكبير في استنباط الأحكام من أدلتها . ألا ترى أن المسح في الآيتين ينصرف إلى المسح باليد ، وكون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ لا شك فيه ، وينصرف أيضا إلى المسح بخصوص باطن اليد . ولكن قد يشك في كون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ ، فإنه غير بعيد أنه ناشئ من تعارف المسح بباطن اليد لسهولته ، ولأنه مقتضى طبع الإنسان في مسحه ، وليس له علاقة باللفظ . ولذا أن جملة من الفقهاء أفتوا بجواز المسح بظهر اليد عند تعذر المسح بباطنها تمسكا باطلاق الآية ، ولا معنى للتمسك بالاطلاق
المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 484 | الشيخ محمود قانصوه الشهابي العاملي