والوجه فيه أن أصالة العموم بما هي لا تثبت أكثر من أن ما يظهر من العام هو المراد الجدي للمتكلم ، ولا شك أن الحكم الصوري الذي نسميه بالحكم الظاهري كالواقع مراد جدي للمتكلم لأنه مقصود بالتفهيم ، فالعام ليس ظاهرا إلا في أن المراد الجدي هو العموم سواء كان العموم حكما واقعيا أو صوريا . أما أن الحكم واقعي فلا يقتضيه الظهور أبدا حتى يثبت بأصالة العموم ، لا سيما أن المعلوم من طريقة صاحب الشريعة هو بيان العمومات مجردة عن قرائن التخصيص ، ويكشف المراد الواقعي منها بدليل منفصل ، حتى اشتهر القول بأنه « ما من عام إلا وقد خص » ، كما سبق .
وعليه فلا دليل من أصالة العموم على أن الحكم واقعي حتى نلتجئ إلى الحمل على النسخ ، بل إرادة الحكم الواقعي من العام على ذلك الوجه يحتاج إلى مئونة بيان زائدة أكثر من ظهور العموم .
شرح
وهذا الاحتمال يتناسب مع بقية كلام المصنف « ره » لكنه خلاف ظاهر عبارة ( إذ لم يقم دليل على تعيين أحدهما ) .
قوله ( ره ) : ( والوجه فيه ان اصالة العموم . . . ) .
أقول : هذا إشارة إلى دفع المحاولة الأولى من محاولتي الطريق الأول .
وقد عرفت ان حاصل الدفع هو ابطال المقدمة الثانية بدعوى ان المراد الجدي أعم من الحكم الواقعي والظاهري .
قوله ( ره ) : ( بل إرادة الحكم الواقعي من العام . . . ) .
أقول : يحتمل في هذه العبارة احتمالان .
الأول : ان نظره إلى المحاولة الثانية التي ذكرناها آنفا ويشعر بذلك تعبيره بكلمة ( يحتاج إلى مئونة زائدة ) فإن هذه الكلمة عادة تستعمل عند إرادة التمسك بالاطلاق فيقال هذا الشيء يحتاج إلى مئونة زائدة منفية بالاطلاق .