شرح
فمثلا إذا عرف التفاح وضع لفظا يدل عليه ، وبعد مدة من الزمن يعرف الإجاص فيضع لفظا يدل عليه ، وهكذا كلما عرف معنى جوهريا أو عرضيا وضع له لفظا يدل عليه .
وقد يستدل لهذا القول بدليل مركب من أمرين .
الأول : أن الواضع ليس اللّه تعالى إذ لو كان هو الواضع لأخبرنا بذلك في القرآن كما أخبرنا عن تعليمنا دفن الميت وصنعة التروس والسحر وغير ذلك . والوضع أهم من كل ذلك لأن عمدة المدنية والتفهم والتفهيم على اللغة .
الثاني : أن الواضع بعد أن ثبت أنه البشر فيجب أن يكون من جماعة متفرقة على نحو التدريج وليس على نحو الدفعة الواحدة وذلك لأمرين .
الأول : أنه لو كان ذلك لنقل إلينا بالتاريخ وبما أنه لم ينقل فنعلم عدم وقوعه .
الثاني : أن الوضع الدفعي ليس بقدرة الإنسان .
أولا : لكثرة الألفاظ جدا .
ثانيا : أن المعلوم بالوجدان أن المعاني تحصل عند الإنسان تدريجيا فلم يكن قديما يعلم جميع المعاني من أنواع الفواكه والحيوانات والنجوم والألعاب المسلية والعادات والمعاني الحديثة بل يدرك هذه المعاني بالتدريج عصرا بعد عصر . فبما أنه لم يكن يعلم جميع هذه المعاني فيستحيل أن يكون وضع ألفاظا للمعاني التي لا يعلمها . فالإنسان الأول وضع ألفاظا للمعاني التي يعلمها ويحتاجها ثم جاء من بعده فعلم بعض المعاني التي لم يعلمها من سبقه فوضع لها ألفاظا وهكذا إلى عصرنا الحاضر ، كلما علم الإنسان معاني جديدة وضع لها ألفاظا .
أقول ولكن هذا الدليل المركب متوقف على ثبوت الأمر الأول وهو مشكل إذ يمكن أن اللّه تعالى لم يخبرنا بذلك لأن الناس لا تدرك أن اللغة تحتاج إلى واضع . مع أنه قد يقال أن آية (وَعَلَّمَ آدَمَ . . .الآية ) هي أخبار بوضع اللغات .