تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
شرح
وأما على القول الثاني من المذهب الثاني ( أعني القول بالتعهد ) فلا يعلم بوجود شخص وضع لغة مسبقا كي يتعهد الناس على طبقها لاحقا . نعم نعلم أن كل واحد من أبناء اللغة متعهد . فإذا قلنا أن اسم واضع يصدق على المتعهد ينتج من ذلك أن كل واحد من أبناء اللغة هو واضع . وأما على المذهب الثالث فوجود الواضع غير ضروري . توضيحه أنه لا مانع من احتمال أن الإنسان القديم لم يكن عنده لغة لكنه لما فطر على المدنية والتفهم والتفهيم صار ينطق بأي لفظ يخرج على لسانه ويشير به إلى المعنى فتكرر منه هذا الأمر حتى اقترن ذاك اللفظ بذاك المعنى وهكذا يقوم بمحاولات أخرى تدريجيا . وبمرور الزمان تكونت اللغة المركبة من ألفاظ عديدة . فهذا الاحتمال ممكن عقلا ولا دليل على عدم وقوعه . كما أن احتمال وجود رجل أو ملك ساعد الناس بتعليمهم على بعض الألفاظ احتمال موجود عقلا وغير مدفوع وقوعا إذ لا دليل على عدمه أيضا . فتحصل ان على هذا المذهب كما لا دليل على وجود الواضع كذلك لا دليل على عدم وجوده . نعم المظنون من لطف اللّه تعالى أن يكون قد أرسل رسلا ملائكة أو بشرا تعلم الإنسان بعض الألفاظ ويدل على ذلك أمران . الأول : إن اللّه تعالى قد بعث إلى الإنسان من يعلمه بعض الأمور التي حاجته إليها أقل بكثير من حاجته إلى اللغة . كإرساله الغراب ليعلم قابيل على دفن أخيه . وكتعليمه صناعة التروس ونحوها لداود ( ع ) . وإرساله الملكين ليعلما الناس السحر ليدفعوا به سحر السحرة المؤذين للناس . وقيل أنه علم بعض الأنبياء الخياطة وعلم ذا القرنين أمور كثيرة . وقيل علم بعض الأنبياء الفلسفة وهكذا فاللازم علينا أن نطمئن أنه قد أرسل من يعلمنا اللغات ضرورة أن حاجتنا إلى اللغات أشد بكثير من حاجتنا إلى تعلم الدفن أو الخياطة أو التروس أو الفلسفة أو السحر فلاحظ .