قيل : إن الواضع لا بد أن يكون شخصا واحدا يتبعه جماعة من البشر في التفاهم بتلك اللغة . وقيل - وهو الأقرب إلى الصواب - إن الطبيعة البشرية حسب القوة المودعة من اللّه تعالى فيها تقتضي إفادة مقاصد الإنسان بالألفاظ ، فيخترع من عند نفسه لفظا مخصوصا عند إرادة معنى مخصوص - كما هو المشاهد من الصبيان عند أول أمرهم - فيتفاهم مع الآخرين الذين يتصلون به ، والآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم ألفاظا لمقاصدهم وتتألف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفة صغيرة من الألفاظ ، حتى تكون لغة خاصة ، لها قواعدها يتفاهم
شرح
ولكن الإنصاف أن تفسير الآية بهذا المعنى بعيد جدا عن سياقها لأنها واردة في مقام الاحتجاج على الملائكة بوجود حكمة للخليقة وبأنهم لا يعلمون ، ومن الواضح أن مثل هذا الاحتجاج لا يجوز أن يكون بأخبار الملائكة أن آدم علم اللغة العربية وهم لم يعلموها إذ أي شخص يمكنه أن يضع مفردات ألفاظ على معاني ويجهل بها جميع البشر ثم يحتج عليهم بأنهم جهله ولا يخفى عليك سخافة ذلك بل الآية أعظم من هذا المعنى .
على أنه لو سلمنا دلالة الآية الكريمة فإنما تدل على أن اللّه تعالى علم آدم لغة من اللغات . فيبقى الكلام في بقية اللغات مع أننا لا نعلم أن اللغة التي علمه إياها هي اللغة العربية دون غيرها من اللغات فالإنصاف أن التمسك بهذه الآية كتمسك الفريق برأسه أو لحيته .
قوله ( ره ) ( قيل أن الواضع لا بد أن يكون شخصا واحدا . . . ) .
أقول هنا رأيان الأول : أن الواضع هو شخص واحد .
الثاني : أن الواضع يجب عقلا أن يكون شخص واحد .
أما الأول فيمكن بعد البحث أن نتوصل إليه بأن يثبت لنا ولو من دليل تاريخي أو قرآني أو غيره أن الواضع هو رجل واحد كيعرب بن قحطان مثلا .
وأما الثاني فيستحيل إثباته لوضوح أنه كما يمكن أن يكون الواضع هو