شرح
هذا حال الكلاب التي لها خصوصيات وتشخصات واضحة ظاهرة للعيان . فما بالك بالألفاظ التي كانت تشخيصات مصاديقها في غاية الخفاء حتى أن الالتفات إلى أن هذا الجزئي من لفظ زيد يختلف عن ذلك الجزئي من لفظ زيد يحتاج إلى مزيد من العناية .
ومما ذكرناه في الألفاظ يعرف الكلام في المعاني .
الإشكال الثاني : أنك قلت أن حضور المعنى في الذهن كان بسبب الاقتران بين اللفظ والمعنى . وقد مثلت لذلك بزيد وسيارته ونحو ذلك من الأمثلة مع أن المشاهد بالوجدان هو الفرق بين حضور المعنى في الذهن بعد سماع اللفظ وبين حضور صورة زيد في الذهن بعد رؤية سيارته .
وجه الفرق هو أن صورة السيارة تكون موجودة في الذهن وملتفت إليها .
بينما صورة اللفظ لا يلتفت إليها السامع ، بل يخطر المعنى في ذهنه مباشرة .
الجواب : وجود أمور أهمها : أن اللفظ ليس له في نظر الإنسان إلا وجوده الدلالي فهو لا يأتي باللفظ ولا يسمعه إلا بغرض التوصل إلى المعنى ولهذا كان وجود اللفظ بما هو هو من الوجودات التي لا يعبأ بها العقلاء ولا يلتفتوا إليها أصلا لعدم تعلق غرض لهم بوجودات الألفاظ بما هي هي . لذا كانوا كلما سمعوا اللفظ التفتوا إلى معناه ولم يلتفتوا إلى نفس اللفظ وإن كان موجودا في أذهانهم .
هذا مضافا إلى ما عرفت من أن صورة اللفظ في الذهن من الأمور التي لها نوع خفاء يحتاج الالتفات إليها إلى نوع عناية بخلاف الوجودات المرئية بالعين .
ولأجل ما ذكرناه نجد أن اللفظ لو كان له خصوصية يعتني بها الإنسان كان الالتفات إلى اللفظ ظاهرا تماما وذلك كأصوات الموسيقى فإن الإنسان يلتفت إليها لتعلق غرضه بها بما هي هي لا بما هي دوال على معاني .
خاتمة : يحتمل قويا أن مراد عباد الصيمري في أن الألفاظ هي علة الدلالة . هو هذا المعنى الذي ذكرناه . لوضوح أن المعنى المنقول عنه في غاية التفاهة ولم يقبله أحد ولا ينبغي أن ينسب إلى عاقل فضلا عن فاضل .