وتوضيح ذلك : إن الأمر بالأمر لا على نحو التبليغ يقع على صورتين :
الأولى : أن يكون غرض المولى يتعلق في فعل المأمور الثاني ، ويكون أمره بالأمر طريقا للتوصل إلى حصول غرضه . وإذا عرف غرضه أنه على هذه الصورة يكون أمره بالأمر - لا شك - أمرا بالفعل نفسه .
الثانية : أن يكون غرضه في مجرد أمر المأمور الأول ، من دون أن يتعلق له غرض بفعل المأمور الثاني ، كما لو أمر المولى ابنه - مثلا - أن يأمر العبد بشيء ، ولا يكون غرضه إلا أن يعود ابنه على إصدار الأوامر أو نحو ذلك ، فيكون غرضه - فقط - في إصدار الأول أمره ، فلا يكون الفعل مطلوبا له أصلا في الواقع .
شرح
الظهورات اللفظيّة بل من نوع الأصول العقلائية فهنا دعويان .
أما الدعوى الأولى أي أنه ليس من الظهورات اللفظيّة فلأن المولى إذا قال لزيد ( مر عمرا بشرب الماء ) لم تكن هذه الألفاظ دالة سوى على ( وجوب أمر عمر شرب الماء ) ولا دلالة له على الغرض لا حقيقة ولا مجازا .
اما لفظ عمر وشرب الماء فواضح أنها إنما وضعت واستعملت في هذه الماهيات المعروفة .
وأما ( مر ) فهو فعل أمر مادته ( الأمر ) ومعناها قد عرف سابقا ولا دلالة له على غرض المولى أصلا . وهيئته هيئة افعل ولا دلالة لها سوى على البعث كما مر .
والحاصل أن هذه العبارة لا تدل على أن غرض المولى هو كذا وكذا بل لا إشارة لها إليه أصلا .
وأما الدعوى الثانية أي أنه من نوع القواعد العقلائية فلأن العقلاء غالبا إنما يأمرون بهذا الغرض ( أي أن غرضهم في الفعل المأمور به ) ولهذا يحملون هذه العبارة على الغالب وهو أن غرض المولى تعلق ( بشرب عمر للماء ) .