تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
ولكن من ناحية علمية صرفة يحسن أن نفهم منشأ هذا الظهور ، فقد قيل : إن معنى الوجوب مأخوذ قيدا في الموضوع له لفظ الأمر . وقيل : مأخوذ قيدا في المستعمل فيه إن لم يكن مأخوذا في الموضوع له . والحق أنه ليس قيدا في الموضوع له ولا في المستعمل فيه . بل منشأ هذا الظهور من جهة حكم العقل بوجوب طاعة الآمر ، فإن العقل يستقل بلزوم الانبعاث عن بعث المولى والانزجار عن زجره ، قضاء لحق المولوية والعبودية ، فبمجرد بعث المولى يجد العقل أنه لا بد للعبد من الطاعة والانبعاث ما لم يرخص في تركه ويأذن في مخالفته . فليس المدلول للفظ الأمر إلا الطلب من العالي ، ولكن العقل هو
شرح
قوله ( ره ) : ( بل منشأ هذا الظهور من جهة حكم العقل . . . ) . أقول توضيح هذا المذهب هو أن مادة الأمر إنما تدل على الطلب فقط فإذا قال المتكلم ( آمرك بكذا ) دلت هذه العبارة على أن المتكلم يطلب من السامع هذا الفعل . غايته أن الآمر تارة يكون مولى . كاللّه تعالى أو الأب أو السيد أو شخص آخر له سلطان معنوي على المخاطب . وتارة أخرى لا يكون الآمر مولى بل يكون صاحب قوة وقهر وجبروت . فعلى الأول - أي كون الآمر مولى - يحكم العقل بوجوب الطاعة وذلك لوجود قاعدة عقلية يعتقد بها كل عاقل وهي أن طلب المولى يجب امتثاله فيركب العقل بعد سماعة للطلب قياسا مؤلفا من مقدمتين صغرى وهي ( أن هذا الفعل طلبه المولى ) وهذه الصغرى مستفادة من قول المولى ( آمرك بهذا الفعل ) وكبرى وهي ( أن كل ما طلبه المولى يجب امتثاله ) فينتج من هذا القياس نتيجة وهي ( أن هذا الفعل يجب إتيانه ) فانقدح أن استظهار وجوب الفعل لم يؤخذ من مادة الأمر وحدها وإنما أخذ من القياس المركب من ظهور مادة الأمر بالطلب ومن حكم العقل بوجوب فعل ما طلبه المولى . وعلى الثاني - أي كون الآمر صاحب قهر وجبروت - فإن العقل أيضا يحكم بالوجوب بمناط وجوب التخلص من الضرر فإذا قال الظالم ( آمرك بكذا ) دل على أنه يطلب الفعل ويضم العقل هذه المقدمة إلى قضية عقلية