والصحيح هذا القول الثالث . ويحتاج إلى توضيح وبيان :
شرح
وحاصل ما ذكره أن الحروف موضوعة لبيان النسبة بين الطرفين ، فإذا قلت ( زيد في الدار ) بينت بكلمة ( زيد ) صورته وبكلمة ( الدار ) صورته أيضا ، وهاتان صورتان مستقلتان ثم بينت بكلمة ( في ) أن نسبة زيد إلى الدار هي نسبة الظرفية ، أي أن زيد موجود في الدار . وهكذا ساير الحروف . فالأسماء تدل على معان مستقلة والحروف تدل على ربط هذه المعاني بعضها ببعض .
وقد استدل المصنف ( ره ) على هذا القول بكلام يمكن أن يستظهر منه أحد استدلالين . ونحن نذكر الاستدلالين ثم نبين كيف نستظهرهما من كلام المصنف .
أما الاستدلال الأول : فمركب من مقدمات أربعة .
المقدمة الأولى : أن الموجود في الخارج أمران .
الأول : وجودات مستقلة موجودة في نفسها وذلك كوجود الجوهر كزيد ، والعرض كقيام زيد ، فإن كلا من الجوهر والعرض له وجود في نفسه غايته أن الجوهر موجود غير محتاج في تقرر وجوده إلى وجود آخر وإن احتاج إلى علة وجود . بينما العرض يحتاج بعد علة الوجود إلى وجود جوهر ليتقرر فيه .
الأمر الثاني : وجودات لا في نفسها سموها بالوجود الرابط وهي وجودها عين الربط وتكون موجودة متقومة بالطرفين المنتسب والمنتسب إليه كالجوهر والعرض .
المقدمة الثانية : أن كل ما هو موجود في الخارج ينتقل إلى ذهن الإنسان ويوجد فيه صورته بواسطة أدوات الحس أو غيرها .
المقدمة الثالثة : أن اللغة متكفلة لأبنائها أن يستطيعوا أن يعبروا بواسطتها عن جميع ما يوجد في أذهانهم . فكل موجود ذهني له لفظ يعبر عنه وموضوع للدلالة عليه .
وينتج من هذه المقدمات الثلاث وجود ألفاظ أو غيرها تكون في اللغة موضوعة للدلالة على المعاني التي هي عبارة عن الربط .