وتقريب الآية إلى نفي الحكم المجهول وبراءة الذمة عنه : إن اللّه لا يكلف نفسا مكلفا إلّا بمقدار قدرتها عليه - أو - إلّا بشيء أقدرها عليه ، والتكليف بحكم مجهول تكليف بغير المقدور عرفا ؛ إذ الخطاب الشرعي وارد على طبق متفاهم العرف .
وبهذا التقريب تكون الآية شاملة لموردها أيضا وهو خصوص الإنفاق بقدر الرزق ، كما ينظر إليه ما قبلها وهو
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ ،
فالمورد لم يخصص به الوارد بل هو عام ، والمعنى على هذا : لا يكلف نفسا إلّا بدفع
شرح
إلّا إن ما تم ذكره من إرادة المعنى من اسم الموصول بالتكليف غير وارد إذ لا قرينة عليه ، بل القرينة الموجودة تدل على إرادة المال ، ولأجل إثبات البراءة لا بد من إثبات أن المراد من اسم الموصول هو الجامع ، وإذا ثبت هذا يثبت أيضا التكليف باعتباره فردا من أفراد الجامع . إذا : المراد من اسم الموصول هو الجامع ولا موجب لتقييده بالفعل أو المال بالخصوص ، وإن كان موردها المال إذ المورد لا يخصص الوارد .
وبعبارة أخرى : إن الآية وردت على نحو قاعدة كبرى معلل بها فلا يناسبها تخصيصها بالمورد فمثلا :
لو سأل شخص الإمام « عليه السلام » عن شرب الخمر المتخذ من العنب هل هو حرام أم لا ؟ فأجاب الإمام : « كل خمر حرام لأنه مسكر » ففي هذه الحالة يثبت الحرمة إلى كل أفراد الخمر سواء المتخذ من العنب أو من غيره وإن كان مورد الحكم هو الخمر المتخذ من العنب ؛ لأن المورد لا يخصص الحكم مع ورود الجواب على نحو قاعدة كلية ، فلا موجب لتقييدها وتخصيصها بالمورد ، فمقامنا من هذا القبيل وهو أنه وإن كان مورد الآية المال ؛ إلّا أن الآية جاءت على نحو القاعدة الكلية المعلل بها الشاملة لكل شيء لا يكلف به إلّا إذا أوتي ، وإذا وردت على نحو الكبرى الكلية فلا معنى لتقييدها بالمال .
فيثبت أن المراد من اسم الموصول هو الجامع فيكون المعنى : ( لا يكلف اللّه نفسا شيئا من مال أو تكليف إلّا بحسب ما آتاه ) فإيتاء المال بمعنى : إعطائه ورزقه ، وإيتاء الفعل بمعنى : الإقدار عليه ، وإيتاء التكليف بمعنى : إيصاله وإذا لم يصل التكليف إلى المكلف لا تكليف فيثبت المطلوب .
وقلنا : إن الشيخ الأنصاري اعترض على هذا التوجيه الذي ذكره العلماء ومنهم السيد الصدر « قدّس سرّه » .
وأجاب السيد الصدر « قدّس سرّه » في حلقته الثالثة على الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » فراجع .
وذكر السيد ميرزا حسن البجنوردي في كتابه منتهى الأصول جوابا ومحصله : « . . . يمكن أن يقال :
أن المراد من الموصول هو الجامع بين المعاني الثلاثة - وهو الشيء مثلا - بإلقاء خصوصيات المعاني الثلاثة ، أي : المال والتكليف والفعل ، لأن كل واحدة من هذه الثلاثة لها ذات مشتركة ، بين جميع الأشياء ، وبهذا الاعتبار يقال لها شيء بحذف الخصوصيات ، ومعلوم : أن نسبة التكليف إلى الشيء يكون من قبيل المفعول به لا المفعول المطلق ، فليس نسبتين متنافيتين . وكذلك المراد من الإيتاء ونسبة الفعل إليه نسبته إلى المفعول به وحده » .