ومعنى ما آتاها : ما أعطاها وما أقدرها عليه من الطاقة ، قال الطبرسي في المجمع 10 / 309 : ( وفي هذا دلالة على إنه سبحانه لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه وما لا يطيقه ) .
شرح
أنه يجب على الوالد دفع أجرة المثل إلى المرضعة ومن المعلوم : أن هذا المدلول أجنبي بالمرة عن البراءة .
- ويحتمل أيضا إرادة فعل المكلف من الموصول فتكون الآية حينئذ نفي التكليف بغير المقدور كما استظهره أمين الإسلام في المجمع بقوله : « وفي هذا دلالة على إنه سبحانه لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه وما لا يطيقه » ، وجعل الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » هذا الوجه وهذا الاحتمال أظهر من غيره من الوجوه .
إلّا أن السيد الصدر « قدّس سرّه » قال : « . . . بل نتمسك بالإطلاق لإثبات الاحتمال الأخير ، فيكون معنى الآية الكريمة : إن اللّه « « عزّ وجلّ » » لا يكلف مالا إلّا بقدر ما رزق وأعطى ، ولا يكلف بفعل إلّا في حدود ما أقدر عليه من أفعال ، ولا يكلف بتكليف إلّا إذا كان قد آتاه وأوصله إلى المكلف ، فالإيتاء بالنسبة إلى كل من المال والفعل والتكليف بالنحو المناسب له ، فينتج إن اللّه تعالى لا يجعل المكلف مسؤولا تجاه تكليف غير واصل وهو المطلوب » . وهذه هي البراءة الشرعية .
إلّا أن الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » اعترض على هذا الاستدلال الذي انتهى إليه الأصوليون ومنهم السيد الصدر « قدّس سرّه » وغيره قائلا : بأن إرادة الجامع من اسم الموصول غير ممكنة لما ذا ؟ لأن إرادة الجامع يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى وهو محال لأن اللفظ قالب لمعنى واحد فان فيه ، وببيان آخر ذكر السيد الصدر توضيح عدم الإمكان في نظر الشيخ الأنصاري بما يلي : « لأن اسم الموصول حينئذ بلحاظ شموله للتكليف يكون مفعولا مطلقا ، إن اللّه لا يكلف نفسا إلّا تكليفا وبلحاظ شموله للمال يكون مفعولا به ، والنسبة بين الفعل والمفعول المطلق تغاير النسبة بين الفعل والمفعول به ، فإن الأولى هي نسبة الحدث إلى طور من أطواره ( أي من أطوار الفعل ) . مثاله : ضربت عليا ضربا أي : ضربا شديدا هذا هو الطور من أطوار الفعل ، والثانية : هي نسبة المغاير ( التكليف ) إلى المغاير ( المال ) ، فيلزم من استعمال الموصول في الجامع إرادة كلتا النسبتين من هيئة ربط الفعل بمفعوله ، وهو من استعمال اللفظ في معنيين ( أي : إفناء اللفظ في معنيين ) ، مع أن كل لفظ لا يستعمل إلّا في معنى واحد » « 1 » . وبالجملة : تقريب الاستدلال بالآية الكريمة وإرادتها على البراءة موقوف على أن المراد من اسم الموصول هو التكليف أو الجامع ، فمتى أثبتنا إرادة أحدهما تم الاستدلال لأنه إن أريد من اسم الموصول هو التكليف سوف يثبت لنا إنه في حال عدم إيتاء وإيصال التكليف لا تكليف وهو المطلوب في المقام . ففي فرض كون المكلف شاكا في التكليف يكون التكليف غير واصل إليه ، وإذا كان كذلك فلا تكليف في حقه وهو المطلوب ، وكذا إذا أريد من اسم الموصول الجامع لأنه سوف يثبت لنا إرادة ( التكليف ) بصفته فردا من أفراد الجامع وإذا ثبت هذا يتم المطلوب .
هامش
( 1 ) راجع الحلقة الثانية ، ص 319 - 320 ( بتصرف ) .