في محله وأبعد منه إرادة حذف المضاف .
ثانيا : إنه من المسلم به عند الجميع الذي لا شك فيه أيضا أن النهي عن نقض اليقين في الأخبار ليس على حقيقته . والسر واضح ، لأن اليقين حسب الفرض منتقض فعلا بالشك ، فلا يقع تحت اختيار المكلف فلا يصح النهي عنه .
وحينئذ ، فلا معنى للنهي عنه إلّا أن يراد به عدم الاعتناء بالشك عملا والبناء عليه كأنه لم يكن ، لغرض ترتيب أحكام اليقين عند الشك ، ولكن لا يصح أن يقصد أحكام اليقين من جهة أنه صفة من الصفات لارتفاع أحكامه بارتفاعه قطعا ، فلم يكن رفع اليد عن الحكم عملا نقضا له بالشك بل باليقين لزوال موضوع الحكم قطعا ( 1 ) .
وعليه : فالمراد من الأحكام : الأحكام الثابتة للمتيقن بواسطة اليقين به ، فهو تعبير آخر عن الأمر بالعمل بالحالة السابقة في الوقت اللاحق ، بمعنى : وجوب العمل في مقام الشك بمثل العمل في مقام اليقين ، كأن الشك لم يكن ، فكأنه قال : اعمل في حال شكك كما كنت تعمل في حال يقينك ولا تعتني بالشك .
إذا عرفت ذلك فيبقى أن نعرف على أي وجه يصح أن يكون التعبير بحرمة
شرح
( 1 ) كارتفاع وجوب التصدق إذا نذر ذلك ما دام متيقنا بحياة زيد ، وإلّا فلا .
فالنقض الحقيقي غير مراد هنا قطعا سواء أريد باليقين نفسه كما هو ظاهر القضية ، أم المتيقن من باب المجاز في الكلمة ، أم آثار المتيقن بالإضمار ، وتقدير « آثار » بأن يكون قوله « عليه السلام » : « لا تنقض اليقين » بمنزلة قوله « لا تنقض آثار المتيقن » فيكون هنا مجازان أحدهما في الكلمة ، لأنه استعمل اليقين في المتيقن ، والآخر في الحذف وهو تقدير « الآثار » المضاف إلى اليقين الذي أريد به المتيقن . وإذا ثبت عدم كون النقيض حقيقيا على كل تقدير ، فلا محالة يراد به النقض من حيث العمل ، لأنه مما يكن تعلق النقض به ، إذ مرجع عدم النقض حينئذ إلى عدم رفع اليد عن العمل ، لأنه مما يمكن تعلق النقض به ، إذ مرجع عدم النقض حينئذ إلى عدم رفع اليد عن العمل السابق الواقع على طبق اليقين ، فكأنه قيل : ( أبق عملك المطابق لليقين ) . وهذا المعنى قابل لتعلق الخطاب به ، لأنه في حال اليقين كالوضوء مثلا كان يصلي ويطوف ويمس كتابة المصحف مثلا ، وفي حال الشك يبقي هذه الأعمال ، ولا فرق في إرادة إبقاء العمل من « لا تنقض » بين إرادة المتيقن من « اليقين » وإرادة آثار المتيقن منه .
وقد ظهر من هذا البيان : إن الإبقاء من حيث العمل لا فرق فيه بين تعلق اليقين بما فيه اقتضاء البقاء وتعلقه بما ليس في ذلك ، لوضوح : صدق الإبقاء عملا في كلتا الصورتين على حد سواء في نظر العرف . ( منتهى الدراية في توضيح الكفاية للسيد محمد جعفر الجزائري المروج ) .