تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
وأولاها ، وفيه من البلاغة في البيان ما ليس في غيره ، كما أن فيه المحافظة على ظهور الأخبار وسياقها في إسناد النقض إلى نفس اليقين ، وقد استظهرنا منها كما تقدم في المقدمة الأولى : أن وثاقة اليقين بما هو يقين هي المقتضية للتمسك به ، وفي الكناية - كما هو المعروف - بيان للمراد مع إقامة الدليل عليه ، فإن المراد الاستعمالي هنا الذي هو حرمة نقض اليقين بالشك يكون كالدليل والمستند للمراد الجدي المقصود الأصلي في البيان ، والمراد الجدي هو : لزوم العمل على وفق المتيقن بلسان النهي عن نقض اليقين . ثالثا : بعد ما تقدم ينبغي أن نسأل عن المراد من النقض في الأخبار ، هل المراد النقض الحقيقي أو النقض العملي ؟ المعروف أن إرادة النقض الحقيقي محال ، فلا بد أن يراد النقض العملي ؛ لأن نقض اليقين - كما تقدم - ليس تحت اختيار المكلف ، فلا يصح النهي عنه . وعلى هذا بنى الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية وغيرهما . ولكن التدقيق في المسألة يعطي غير هذا ؛ إنما يلزم هذا المحذور لو كان النهي عن نقض اليقين مرادا جديا ، أما على ما ذكرناه من أنه على وجه الكناية ، فإنه - كما ذكرنا - يكون مرادا استعماليا فقط ، ولا محذور في كون المراد الاستعمالي - في الكناية - محالا أو كاذبا في نفسه ، إنما المحذور إذا كان المراد الجدي المكنى عنه كذلك . وعليه : فحمل النقض على معناه الحقيقي أولى ما دام أن ذلك يصح بلا محذور . النتيجة : إنه إذا تمت هذه المقدمات فصح إسناد النقض الحقيقي إلى اليقين من أجل وثاقته من جهة ما هو يقين ، وإن كان النهي عنه يراد به لازم معناه - على سبيل الكناية - فإنا نقول : إن اليقين لما كان في نفسه مبرما ومحكما فلا يحتاج في صحة إسناد النقض إليه إلى فرض أن يكون متعلقه مما له استعداد في ذاته للبقاء ، وإنما يلزم ذلك لو كان الإسناد اللفظي إلى نفس المتيقن ولو على نحو المجاز . وأما كون أن المراد الجدي هو النهي عن ترك مقتضى اليقين الذي هو عبارة عن لزوم العمل بالمتيقن ، فإن ذلك مراد لبّي وليس فيه إسناد للنقض إلى المتيقن في مقام اللفظ حتى يكون ذلك قرينة لفظية على المراد من المتيقن . والسر في ذلك : إن الكناية لا يقدر فيها لفظ المكنّى عنه على إن المكنّى عنه ليس هو حرمة نقض المتيقن بل - كما تقدم - هو حرمة ترك مقتضى اليقين الذي هو عبارة عن لزوم العمل بالمتيقن ، فلا نقض مسند إلى المتيقن لا لفظا ولا لبّا ، حتى يكون ذلك قرينة على أن المراد من المتيقن هو
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 400 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني